آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » أيهما الأجدى لحياتنا ومجتمعنا..ثقافة الوظيفة أم ثقافة العمل الحر؟

أيهما الأجدى لحياتنا ومجتمعنا..ثقافة الوظيفة أم ثقافة العمل الحر؟

 

 

بقلم: باسل علي الخطيب

 

قبل أيام اتصل بي أحد طلابي السابقين ليهنئني بالعيد. وبعد تبادل التهاني والسؤال عن الأحوال، أخبرني أنه يتابع دراسته الجامعية ويعمل في الوقت نفسه.

 

سألته:

– ما طبيعة عملك؟

 

فأجاب مبتسماً:

– أي عمل متاح على الأرض؛ قشّ الأعشاب، والتنظيف، والتقليم، وأعمال الزراعة، وحفر الجور، والسقاية، وأعمال البناء والخدمات المختلفة.

 

استغربت من تعدد الأعمال التي يتقنها، فسألته:

– وهل تعلمت كل ذلك؟

 

فأجاب بثقة:

– نعم، والحمد لله، ولا أمد يدي لأحد. أنفق على دراستي من تعبي، وأساعد والدي قدر استطاعتي.

 

كان عمره عشرين عاماً فقط.

 

هذه القصة ليست استثناءً، بل نموذج لما يجب أن يكون عليه الشباب في مواجهة الظروف الصعبة. فالإنسان القادر على العمل لا ينبغي أن يستسلم للاتكالية أو ينتظر أن يحل الآخرون مشكلاته.

 

كثيراً ما ننتقد أصحاب النفوذ أو أصحاب الأموال لأنهم لا يساعدون الناس أو لا يوجهونهم نحو فرص العمل والإنتاج، وربما يكون هذا النقد محقاً في بعض الأحيان. لكن ذلك لا يعفي الأفراد أنفسهم من تحمل جزء من المسؤولية تجاه أوضاعهم المعيشية ومستقبلهم.

 

يقول المثل الشعبي: “الفقر لا يعتدي على أحد”

 

وربما كان المقصود أن الإنسان يستطيع دائماً أن يقاوم ظروفه بالإرادة والعمل. فالفقر المادي، على قسوته، قد يكون أهون أنواع الفقر، أما الأخطر فهو فقر الفكر والإرادة وقلة الحيلة والاستسلام للاتكالية.

 

ثقافة الوظيفة

 

هل حدثتكم يوماً عن ثقافة الوظيفة؟

 

هذه الثقافة جعلت الوظيفة الحكومية لدى كثيرين هدفاً بحد ذاته، لا وسيلة من وسائل العمل والإنتاج. فركض الناس خلف الراتب الثابت، وترك بعضهم أراضيه ومهنه وحرفه ومشاريعه الصغيرة التي كان يمكن أن توفر له دخلاً أفضل واستقلالاً أكبر.

 

اختار كثيرون الطريق الأسهل، أو ما ظنوه أسهل، وربطوا مفهوم الكرامة بمكتب وكرسي ولقب وظيفي وراتب آخر الشهر، حتى وإن كان هذا الراتب لا يكفي سوى أيام قليلة.

 

ومع مرور الوقت، أصبحت حياة الكثيرين مرتبطة بالكامل بالوظيفة، حتى باتت مصدر الدخل الوحيد والأمل الوحيد، وهو ما جعلهم أكثر هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية.

 

والأكثر إيلاماً أن بعض الأشخاص بذلوا جهوداً كبيرة للحصول على وظيفة، وانتظروا سنوات طويلة، وطرقوا أبواب المسؤولين، وأنفقوا أموالاً كان يمكن أن يستثمروها في تعلم مهنة أو إنشاء مشروع صغير يعود عليهم وعلى أسرهم بالفائدة.

 

العمل ليس عيباً

 

المشكلة الحقيقية ليست في الوظيفة بحد ذاتها، فالوظيفة عمل شريف ومهم، وإنما في حصر مفهوم النجاح بها فقط، وإهمال بقية أشكال العمل والإنتاج.

 

لقد ترسخت لدى البعض فكرة خاطئة مفادها أن قيمة الإنسان تحددها وظيفته أو منصبه، بينما الحقيقة أن القيمة الحقيقية تكمن في الإنتاج والعطاء والاستقلالية والقدرة على الاعتماد على النفس.

 

ولذلك فإننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لثقافة العمل بكل أشكاله؛ الزراعي والحرفي والمهني والتجاري والصناعي والخدمي. فكل عمل مشروع يحترم القانون ويخدم المجتمع هو عمل كريم يستحق التقدير.

 

لا عذر للقادر على العمل

 

لا يوجد عذر لشاب أو رجل أو امرأة قادرين على العمل إلا العذر الصحي الحقيقي الذي يمنعهم من الكسب.

 

فمهما كان العمل بسيطاً، فإنه يبقى أشرف من انتظار المساعدة أو الاستسلام لليأس. والعمل الذي يوفر خبز اليوم بكرامة خير من الاتكالية وانتظار الحلول من الآخرين.

 

إن تغيير الواقع يبدأ بتغيير طريقة التفكير، فالأمم لا تتقدم بالشكاوى وحدها، بل بالعمل والإبداع وتحمل المسؤولية.

 

لذلك، فإن أول خطوة نحو مستقبل أفضل هي أن نعيد الاعتبار لقيمة العمل، وأن نغرس في الأجيال الجديدة ثقافة المبادرة والاجتهاد والاعتماد على النفس.

 

فالفرص لا تأتي دائماً جاهزة، وإنما تُصنع بالإرادة والصبر والسعي، ومن يسلك طريق العمل بصدق سيجد أن الله لا يضيع أجر الساعين.

 

إن تغيير ما بأنفسنا ليس مجرد شعار، بل شرط أساسي لأي تغيير حقيقي في حياتنا ومجتمعاتنا

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مهرجان الدريكيش بين الماضي والحاضر

بقلم: جندب دخيل     يشكل مهرجان الدريكيش أحد أبرز المحطات الثقافية والسياحية التي ارتبطت بذاكرة المدينة على مدى ما يقارب ثلاثة عقود، بعدما أصبح ...