بقلم: متعلِّم مع قارئه
المهندس محمود محمد صقر
إن كان لي من إلحاحِ الخاطر ما حملني على أن أكتب، فلك فضلُ الإصغاء الذي شجَّعني على أن أقول.
كلُّ حضارةٍ تُهزم مرتين: مرةً حين يُهدم عمرانها، ومرةً حين تموت معانيها. والهزيمة الأولى يمكن إصلاحها، أما الثانية فهي التي تطول آثارها.
وما أكتبه هنا ليس جوابًا أضعه بين يديك، بقدر ما هو سؤالٌ أدعوك إلى أن نسير معًا في أثره؛ فبعض الأسئلة لا تُقال لكي تُغلق أبواب التفكير، بل لكي تفتحها.
لقد اعتدنا، حين نقرأ التاريخ، أن نتوقف طويلًا أمام ما تهدَّم: مدنٌ صارت ركامًا، وجيوشٌ انكسرت، ودولٌ زالت، وأجيالٌ حملت في ذاكرتها آثار النار والهزيمة. نحفظ أسماء المعارك، ونُحصي الخسائر، ونعرف كيف بدأت الحروب وكيف انتهت، حتى يكاد يبدو لنا أن التاريخ ليس إلا سجلًّا طويلًا لما استطاع الإنسان أن يهدمه.
لكن سؤالًا آخر ظلَّ يُلحُّ عليَّ:
ما الذي لم يُدمَّر؟
ما الذي بقي حيًّا داخل المجتمع الألماني، رغم أن مدنه تحولت إلى أنقاض؟
ما الذي لم تستطع القنابل أن تقتله في اليابان، رغم أنها أحرقت الحجر وبدَّلت وجه المدن؟
وما الذي مات داخل مجتمعاتٍ أخرى، رغم أن مبانيها بقيت قائمة، وثرواتها لم تنفد، ولم تمر فوق أرضها جيوش الغزاة؟
لعل الخراب الحقيقي لا يبدأ حين تسقط الجدران، بل حين تسقط المعاني التي كانت تمنحها سببًا للقيام. ولعل المجتمع لا ينهض لأنه أعاد بناء شوارعه ومصانعه فحسب، وإنما لأنه حافظ، في مكانٍ خفيٍّ من روحه، على ما يستطيع أن يبني به من جديد.
فقد تُهدم المدرسة، ويبقى احترام العلم، ويُغلق المصنع، وتبقى قيمة العمل، وتسقط الدولة، وتبقى الثقة بين الناس. وقد تبقى المدارس والمصانع ومؤسسات الدولة قائمة، بينما يموت في داخل المجتمع الإيمان بالعلم، والإخلاص للعمل، والثقة بالإنسان.
عندئذٍ يصبح العمران قائمًا، وتكون الحضارة قد بدأت في الغياب.
لذلك لا أكتب لوصف الحروب؛ فقد وصفت الحروب نفسها بما يكفي. ولا أكتب لأعيد سرد تاريخها؛ فقد امتلأت به الكتب والوثائق. وإنما أكتب لأتعلَّم معك، أيها القارئ العزيز، كيف ننظر إلى التاريخ من جهةٍ أخرى؛ لا من جهة ما سقط وحده، بل من جهة ما بقي قادرًا على الحياة.
أريد أن نبحث معًا عمَّا تصونه المجتمعات حين تفقد كل شيء، وعمَّا تفقده أحيانًا وهي تظن أنها ما زالت تملك كل شيء.
أريد أن نتعلَّم كيف نكتب تاريخ ما يبقى حيًّا بعد الحروب
(موقع :أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
