آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » عمريت… المدينة الفينيقية التي حفظها الزمن على الساحل السوري

عمريت… المدينة الفينيقية التي حفظها الزمن على الساحل السوري

عدنان كامل الشمالي

 

 

 

على بعد بضعة كيلومترات جنوب مدينة طرطوس، وبين مياه البحر الأبيض المتوسط والبساتين الخضراء، ترقد مدينة عمريت الأثرية في هدوء منذ أكثر من ألفي عام. وقد تبدو للزائر، للوهلة الأولى، مجرد أطلال حجرية، لكنها في الحقيقة إحدى أهم المدن الفينيقية التي عرفها الساحل السوري، وواحدة من أندر المواقع الأثرية التي ما زالت تحتفظ بملامحها الأصلية، بعيداً عن التغييرات التي طرأت على كثير من المدن القديمة.

تقع عمريت على مسافة تقارب ستة كيلومترات جنوب طرطوس، وكانت تُعرف في العصور القديمة باسم «مراثوس» أو «ماراثوس». وتشير الدراسات الأثرية إلى أن الاستيطان في الموقع يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، بينما ازدهرت المدينة خلال العصر الفينيقي، ولا سيما في العهدين الفارسي والهيلنستي. وكانت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدينة أرواد، التي مثّلت آنذاك القوة البحرية الأبرز على الساحل السوري.

ولم تكن عمريت مدينة تجارية فحسب، بل كانت أيضاً مركزاً دينياً مهماً للفينيقيين، وهو ما تؤكده بقايا المعبد الشهير الذي يُعد من أفضل المعابد الفينيقية حفظاً في العالم. ويتميز هذا المعبد بتصميم فريد، إذ يقوم البناء المقدس في وسط حوض مائي واسع تحيط به الأروقة والأعمدة، في مشهد معماري نادر بين المواقع الأثرية الفينيقية. ويعتقد الباحثون أن المعبد كان مكرساً للإلهين ملقرت وأشمون، وأن المياه المحيطة به كانت جزءاً من الطقوس الدينية المرتبطة بالتطهر والشفاء.

ومن أبرز معالم عمريت أيضاً الملعب الأثري المنحوت في الصخر، الذي يبلغ طوله نحو 225 متراً، ويعده عدد من الباحثين واحداً من أقدم الملاعب المعروفة في العالم. ويُرجح أن هذا الملعب كان يحتضن مسابقات واحتفالات دينية ورياضية تُقام تكريماً للآلهة، مما يدل على أن الفينيقيين عرفوا النشاطات الرياضية المنظمة قبل قرون من ازدهار الحضارة اليونانية الكلاسيكية، وإن كانت تفاصيل تلك النشاطات لا تزال موضع دراسة بين المختصين.

وعلى مقربة من المعبد تنتشر المدافن الأثرية الشهيرة المعروفة باسم «المغازل»، وهي أبراج جنائزية حجرية ذات تصميم مميز يكاد لا يوجد له مثيل في أي موقع أثري آخر. وقد نُحتت هذه القبور بعناية فائقة، لتكشف عن المستوى المتقدم الذي بلغته العمارة والفنون الجنائزية لدى الفينيقيين، وما زالت تشكل أحد أبرز رموز موقع عمريت الأثري.

ورغم أن المدينة تعرضت للتدمير في القرن الثاني قبل الميلاد، إثر الصراعات التي شهدتها المنطقة، فإنها لم تُبنَ فوقها مدينة جديدة، الأمر الذي أسهم في الحفاظ على آثارها إلى حد كبير. ولذلك يحظى الموقع بأهمية استثنائية لدى علماء الآثار، إذ يتيح فرصة نادرة لدراسة مدينة فينيقية بقيت ملامحها الأصلية محفوظة إلى حد بعيد. ولهذا السبب يُعد موقع عمريت من أهم المواقع الأثرية في سورية، وقد أُدرج ضمن القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي، كما تتواصل فيه مشاريع علمية دولية لتوثيق آثاره والمحافظة عليها.

أما بالنسبة للزائر، فإن عمريت تقدم تجربة مختلفة عن كثير من المواقع الأثرية الأخرى. فهي ليست قلعة شاهقة ولا مدينة تعج بالمعالم، بل مكان هادئ يتيح للمرء أن يتجول بين أطلال حضارة ازدهرت على شاطئ البحر الأبيض المتوسط قبل أكثر من ألفي عام. هنا يقف المعبد وسط الماء، ويجاوره الملعب والمدافن، بينما يهب نسيم البحر القريب حاملاً عبق التاريخ، فيشعر الزائر وكأنه عاد إلى زمن الفينيقيين الذين انطلقوا من هذا الساحل ليتركوا بصمتهم في حضارات البحر المتوسط.

إن زيارة عمريت ليست مجرد نزهة إلى موقع أثري، بل هي رحلة إلى جذور الحضارة الفينيقية، حيث تتلاقى العمارة والدين والرياضة والفن في مكان واحد. ولهذا تبقى عمريت إحدى أثمن الكنوز الأثرية في محافظة طرطوس، ووجهة لا ينبغي أن يغفلها كل من يرغب في اكتشاف التاريخ الحقيقي للساحل السوري

 

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مدير آثار طرطوس يبحث مع مدير الزراعة آليات العمل المشترك لتنظيف المواقع الأثرية

    أجرى الأستاذ عبد الحي المحمد، مدير دائرة آثار طرطوس، زيارة إلى الدكتور محمد أحمد مدير زراعة طرطوس، جرى خلالها بحث سبل تعزيز التعاون ...