آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » الصكوك السيادية في الحالة السورية … الثقة قبل التمويل

الصكوك السيادية في الحالة السورية … الثقة قبل التمويل

د. سلمان ريا

 

 

 

ليست أهمية الصكوك السيادية في كونها أداةً ماليةً جديدةً يمكن أن توفر موارد إضافية للموازنة العامة فقط، بل في كونها اختبارًا حقيقيًا لعلاقة الدولة بالسوق، ولمدى قدرة المؤسسات على إدارة المال العام ضمن إطار من الشفافية والحوكمة والاستقرار.

فالأسواق لا تنظر إلى الأداة المالية بمعزل عن الدولة التي تصدرها، والمستثمر لا يشتري الصك بحد ذاته، وإنما يراهن على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وعلى وضوح القوانين، واستقرار البيئة الاقتصادية، وكفاءة الإدارة العامة. ومن هنا، فإن نجاح الصكوك لا يبدأ عند إصدارها، بل يبدأ من مستوى الثقة الذي تستطيع الدولة بناءه قبل ذلك.

وفي الحالة السورية، تأتي هذه الخطوة في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى أدوات تمويل تساعد على إعادة تحريك الاقتصاد، وتمويل مشاريع التنمية، وإعادة بناء البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية. لكن التمويل، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الإصلاحات التي تخلق البيئة المناسبة له.

فالصكوك السيادية تحتاج أولًا إلى إطار تشريعي واضح، وقواعد دقيقة للإفصاح المالي، وآليات رقابة فعالة، وإدارة مهنية للموارد العامة. كما تحتاج إلى سياسات اقتصادية متماسكة تشمل استقرار النظام النقدي، وتحسين إدارة الموازنة، وتطوير البيئة الاستثمارية، لأن رأس المال يبحث، قبل كل شيء، عن الوضوح والثقة.

وتبرز أهمية توجيه الموارد الناتجة عن الصكوك نحو مشاريع منتجة قادرة على خلق قيمة مضافة، وليس فقط نحو تغطية الاحتياجات الجارية. فتمويل الطاقة، والزراعة، والصناعة، والنقل، والبنية التحتية، يمكن أن يجعل الصكوك أداةً للتنمية المستدامة، بينما يبقى استخدامها لتمويل الإنفاق الاستهلاكي محدود الأثر على المدى الطويل.

كما أن نجاح هذه التجربة يرتبط بقدرة الدولة على توسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية. فالاقتصاد السوري يمتلك تنوعًا كبيرًا في موارده ومناطقه، ومن المهم أن ترافق الأدوات المالية الجديدة رؤيةً تقوم على اللامركزية الاقتصادية الرشيدة، بحيث تصل فرص التنمية والاستثمار إلى مختلف المناطق، ضمن إطار وطني يحافظ على وحدة السياسات الاقتصادية وعدالة توزيع الفرص.

إن الحوكمة والشفافية ستكونان العامل الحاسم في بناء الثقة، فالمجتمع والمستثمر يحتاجان إلى معرفة كيفية إدارة الموارد العامة، وما هي المشاريع التي تمولها، وما النتائج المتوقعة منها. وكلما كانت المعلومات واضحة، وكانت المؤسسات أكثر احترافية، انخفضت المخاطر، وازدادت قدرة الاقتصاد على جذب التمويل والاستثمار.

وفي المرحلة التاريخية الراهنة التي تمر بها سورية، فإن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في توفير الأموال، بل في إعادة بناء الثقة التي تجعل هذه الأموال تتحول إلى إنتاج، وتنمية، وفرص عمل. فاقتصاد المستقبل لا يقوم على كثرة الأدوات المالية، بل على قوة المؤسسات التي تديرها، وعلى قدرة الدولة على إقامة علاقة جديدة مع السوق تقوم على الشراكة، والشفافية، والمسؤولية.

لذلك، يمكن للصكوك السيادية أن تكون خطوة مهمة في مسار إعادة بناء الاقتصاد السوري، شرط أن تأتي ضمن رؤية متكاملة تربط التمويل بالإنتاج، والاستثمار بالتنمية، والإدارة بالكفاءة. فالثقة هي رأس المال الأول، وكل أداة مالية ناجحة تبدأ من هذه الحقيقة
(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من سيغتال ترامب؟

  علي عبود   قد يكون دونالد ترامب أكثر رئيس أمريكي تعرضًا لمحاولات اغتيال، وهو أول رئيس يصدر أمرًا بتدمير الدولة التي قد تقف وراء ...