بقلم: المهندس مكرم عبيد
تكمن قوة المسيحيين، تاريخيًا، في تنوعهم العابر للقارات، وفي إسهاماتهم العميقة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والعلوم والآداب والفلسفة، وسائر ميادين الحضارة الإنسانية. ومن هنا، فإن اختزال الوجود المسيحي، الممتد لأكثر من ألفي عام، في إطار تنظيمي ضيق أو رابطة اغترابية تحمل اسم “الكونغرس المسيحي السوري” – أو أي مسمى فئوي مشابه – لا يعكس حقيقة هذا المكوّن الأصيل، بل يختزل دوره التاريخي ويقزّم حضوره الوطني والحضاري.
فالمسيحية السورية، وإن تراجعت أعداد أبنائها بفعل ظروف العقود الأخيرة، تبقى أكبر من أن تُحصر في أجندة تنظيم يسعى إلى مخاطبة السلطات للمطالبة بحقوق جزئية أو شكلية. فالمسيحيون في سوريا ليسوا جماعة وافدة، ولا جالية تبحث عن اعتراف، بل هم من السكان الأصليين لهذه الأرض، وشركاء في صناعة تاريخها وثقافتها وهويتها الوطنية.
ولم يكن المسيحيون في المشرق، وسوريا على وجه الخصوص، يومًا أقلية لاجئة تحتاج إلى وصاية أو إلى هيئة تنفيذية تتحدث باسمها، وكأنها كيان منفصل عن المجتمع والدولة. إن هذا المنطق، مهما حسنت نواياه، يكرّس الانعزال أكثر مما يعزز الاندماج، ويضعف مفهوم المواطنة الذي ينبغي أن يكون أساس العلاقة بين جميع السوريين.
إن صون الوجود المسيحي وإنصافه لا يمران عبر إنشاء أطر تنظيمية ذات طابع فئوي، بل عبر ترسيخ الهوية الوطنية السورية الجامعة، التي يتساوى في ظلها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. فالحماية الحقيقية لا تتحقق بالمحاصصة، ولا بالاستثناءات، ولا بالتمثيل الطائفي، وإنما بدولة عادلة يشعر فيها كل مواطن بأن القانون وحده هو الضامن لكرامته وحريته وحقوقه.
إن غياب المسيحيين، أو استمرار نزيف هجرتهم، لا يمثل خسارة لطائفة بعينها، بل هو خسارة لسوريا كلها، ولإرثها الحضاري الذي تشكّل عبر قرون من التعددية والتفاعل الثقافي والديني. فتنوع سوريا ليس عبئًا ينبغي إدارته، بل هو أحد أهم مصادر قوتها التاريخية.
لذلك، فإن الضمانة الوحيدة المستدامة لمستقبل جميع السوريين هي قيام دولة مدنية حديثة، تقوم على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، واحترام الحريات الدينية والفكرية، وفق المعايير الحقوقية والدستورية المعاصرة. دولة تحمي كنيسة المسيحي، ومسجد المسلم، وسائر دور العبادة، بوصفها مؤسسات يكفلها القانون، لا امتيازات تمنحها السلطة.
فالهوية الوطنية الجامعة هي الإطار الأوسع والأقدر على حماية الجميع، أما الانغلاق داخل أطر تنظيمية فئوية، (كونغرس وغيره)مهما كانت دوافعه، فلن ينتج إلا مزيدًا من التشرذم، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى مشروع وطني جامع، يؤمن بأن المواطنة هي الرابط الأقوى، وأن العدالة هي الضمانة الحقيقية لاستمرار الدولة وتماسك المجتمع
(اخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

