آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » حين لا تختصر النتيجة معنى الانتصار

حين لا تختصر النتيجة معنى الانتصار

 

 

أسيمة حسن

 

في الرياضة، تُحسم المباريات بالأهداف، لكن لا يُختزل دائمًا معنى الانتصار في النتيجة. فهناك فرق بين نتيجة تُسجَّل في الإحصاءات، وأثرٍ يبقى في ذاكرة الناس.

 

خسارة المنتخب المصري أمام الأرجنتين بثلاثة أهداف مقابل هدفين أنهت مشواره في كأس العالم، لكنها لا تختزل ما قدّمه الفريق، ولا ما مثّله لجمهوره. فالمنتخبات لا تُقاس فقط بما تحققه من ألقاب، بل أيضًا بما تبثه في نفوس جماهيرها من ثقة وإيمان بقدرتها على المنافسة حتى اللحظات الأخيرة.

 

لقد واجه المنتخب المصري أحد أكثر المنتخبات خبرةً وتاريخًا في كرة القدم، ولم يكن مجرد طرف في المباراة، بل كان منافسًا حقيقيًا فرض على خصمه أن يقاتل حتى الدقائق الأخيرة. وهذه، في حد ذاتها، رسالة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

 

وربما لهذا أجد أن الحديث عن “الخسارة” وحدها يبدو ناقصًا. فمصر، في جانب آخر من الصورة، ربحت شيئًا لا تمنحه لوحة النتائج؛ ربحت احترام كثيرين، وربحت التفاف شعبها حول منتخبها، وربحت صورة منتخب لا يستسلم بسهولة، مهما بلغت قوة منافسه.

 

ومصر ليست اسمًا عابرًا في الوجدان العربي والإنساني، بل هي حضارة امتدت آلاف السنين، وتركت أثرًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة العالم. وليس المقصود أن التاريخ يصنع الأهداف أو يحسم المباريات، فلكل عصر أدواته، وإنما أن الشعوب التي تمتلك رصيدًا حضاريًا عظيمًا تحمل معها دائمًا شعورًا بالقدرة على النهوض بعد كل تعثر. وهذا الإرث الثقافي والإنساني يظل جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع، ويمنح أبناءه ثقة تتجاوز حدود الرياضة.

 

ولهذا، فإن الهزيمة الرياضية لا ينبغي أن تتحول إلى هزيمة نفسية أو وطنية. فالرياضة، بطبيعتها، تقوم على الفوز والخسارة، أما قيمة الشعوب فلا تُقاس بنتيجة مباراة، مهما بلغت أهميتها.

 

وأكتب هذه الكلمات من منطلق محبتي لمصر وللشعب المصري، لا من موقع المتابع الدائم لكرة القدم أو المهتم ببطولات كأس العالم. ففي الحقيقة، لا يشغلني المونديال بقدر ما يشغلني ما تكشفه مثل هذه اللحظات من تماسك الشعوب والتفافها حول ما يمثلها.

 

وما لفت انتباهي لم يكن عدد الأهداف، بل حجم المحبة التي أحاط بها المصريون منتخبهم، والإيمان الذي منحوه للاعبيهم حتى بعد صافرة النهاية. وفي زمن أصبحت فيه النتائج السريعة معيارًا لكل شيء، يبقى هذا الالتفاف الشعبي قيمة لا تقل أهمية عن أي إنجاز رياضي.

 

قد تكون الأرجنتين قد ربحت المباراة، وهذا واقع لا جدال فيه، لكن مصر ربحت شيئًا آخر؛ ربحت احترام منافسيها، وربحت اعتزاز شعبها بمنتخبه، وربحت درسًا يؤكد أن الانتصار ليس دائمًا ما تقوله النتيجة، بل ما يبقى بعد أن تنطفئ أضواء الملعب.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن تمنحه الرياضة للشعوب ليس كأسًا تُرفع، بل شعورًا بالانتماء، وإيمانًا بأن كل تجربة، سواء انتهت بفوز أو بخسارة، يمكن أن تكون خطوة نحو مستقبل أفضل. وهذا، في تقديري،هو الانتصار الذي لا تُحصيه جداول النتائج

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإنسان بين حلب وكل اليونان

  بقلم المهندس باسل قس نصر الله   عندما أصل إلى اليونان، أشعر أنني لا أنتقل فقط من بلد إلى آخر، بل أنتقل بين صفحتين ...