المهندس حسان نديم حسن
في 23 يونيو/حزيران 2026، أصدرت دار النشر العالمية سيمون آند شوستر كتاب “تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترامب” (Regime Change: Inside the Imperial Presidency of Donald Trump)، للصحفيَّين الاستقصائيَّين في صحيفة نيويورك تايمز، ماجي هيبرمان وجوناثان سوان.
لم يكن صدور هذا العمل مجرد حدث عابر في مجال الصحافة السياسية، بل شكّل محطةً فاصلةً بين التغطية الإخبارية التقليدية والتوثيق السياسي المعمق، نظراً لاستناده إلى أكثر من ألف مقابلة مع مسؤولين ومستشارين وشخصيات كانت على تماس مباشر مع دوائر صنع القرار خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويتجاوز الكتاب صيغة السرد التاريخي ليقدم روايةً تشرح تحولاً جذرياً في مفهوم السلطة التنفيذية الأمريكية، حيث أصبحت شخصية الرئيس نفسها محركاً حاسماً للأمن القومي وآليات اتخاذ القرار.
*مفهوم الرئاسة الإمبراطورية وإدارة بلا كوابح
يرسم المؤلفان صورةً لنموذج حكم تتراجع فيه المؤسسات التقليدية أمام إرادة الرئيس، المعتمد على حدسه السياسي. وتُبرز مراجعات الصحافة العالمية أبعاد هذا التحول الهيكلي؛ إذ يشير الكتاب إلى غياب المسؤولين والجنرالات التقليديين الذين كانوا يمثلون خط دفاع مؤسسياً قادراً على كبح القرارات المندفعة في السابق، في الوقت الذي تحول فيه المستشارون والمحامون الباقون إلى أدوات لتمرير القرارات التنفيذية وتجنب المواجهة المباشرة، بدلاً من مراجعتها أو الاعتراض عليها.
كما يرصد العمل توسعاً غير مسبوق في الصلاحيات الرئاسية، وتجاوزاً للأوامر القضائية، وصولاً إلى اتخاذ تدابير عسكرية وأمنية مصيرية دون العودة إلى الكونغرس أو استشارته.
ويمتد هذا النمط ليشمل القرارات الاقتصادية؛ إذ يوثق الكتاب ميل ترامب إلى تبني مواقف وأرقام جمركية حاسمة تجاه دول مثل الصين والهند، بناءً على قناعته الشخصية بصحتها، رغم غياب الأسس والبيانات الإحصائية الملموسة التي تدعم تلك التقديرات.
*معضلة التقييم الشخصي في العلاقات الدولية
يوضح الكتاب كيف انعكست سيكولوجية الرئيس مباشرةً على شبكة التحالفات الخارجية، مبيناً أن المواقف الاستراتيجية باتت محكومة بالمعطيات النفسية والحسابات الذاتية بقدر تأثرها بالاستراتيجيات الكبرى.
ويتجلى ذلك في رصد العلاقة المتقلبة بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي شهدت توتراً حاداً وجفاءً إثر قيام الأخير بتهنئة جو بايدن بعد انتخابات عام 2020. وكان ترامب يعتقد أن نتنياهو كان أول زعيم عالمي يقدم على هذه الخطوة، مما جعله يفسر تلك التهنئة على أنها تخَلٍّ شخصي عنه.
ومع ذلك، يروي الكتاب كيف تمكن نتنياهو لاحقاً من ترميم هذا الشرخ عبر مخاطبة شخصية الرئيس مباشرة، إذ أحضر له قائمة موثقة بالأدلة تثبت أن عدداً كبيراً من قادة العالم سبقوه إلى تهنئة بايدن، وهو تبرير وجد فيه ترامب سبباً لتجاوز الأزمة وفتح صفحة جديدة.
*الملف الإيراني وفجوة التقديرات الاستراتيجية
يكشف الكتاب عن فجوة حادة بين تقديرات المؤسسات العسكرية المتخصصة ورؤية الرئيس الشخصية في إدارة ملفات الشرق الأوسط الساخنة، ولا سيما في اللحظات التي سبقت التصعيد العسكري.
فبينما أكد القادة العسكريون والخبراء الأمريكيون مراراً أن الحملات والضربات الجوية المنفردة لن تكون كافية لإسقاط النظام الإيراني، كان ترامب يفضل سيناريوً مغايراً يماثل ما كان يتصوره في الحالة الفنزويلية.
وتكمن فكرته في تحقيق المكاسب السياسية المترتبة على تغيير النظام دون الاضطرار إلى تحمل كلفة غزو عسكري شامل، أو خوض حرب استنزاف طويلة لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ولا يصدر الكتاب حكماً على صحة هذه الرؤية أو خطئها، بل يعرضها بوصفها دليلاً على التباين بين قناعات القيادة السياسية والتقييمات المؤسسية المتخصصة.
*أصداء المراجعات في الصحافة العالمية
حظي الكتاب بتقييمات نقدية ركزت على أبعاده السياسية والسلوكية. فقد وصف رئيس تحرير مجلة The New Yorker، ديفيد ريمنيك، العمل بأنه استثنائي ويتجاوز جنسه الأدبي، معتبراً إياه تأريخاً دقيقاً وموجعاً لآلية عمل السلطة الكبرى عندما تُدار بالكامل بناءً على الحدس الفردي.
ومن جانبه، رأى الناقد فينتان أوتول أن القيمة المضافة للعمل تكمن في تفاصيله الحية والملموسة التي تعيد انتشال الواقع السياسي من عالم الوهم والإنكار الذي يحيط بالإدارات الحديثة.
كما ركزت مجلة Rolling Stone على البعد السلوكي، مشيرةً إلى أن ترامب يظهر في صفحات الكتاب في حالة عزلة مؤسسية شديدة، رغم نفوذه المتعاظم، وهو ما يجعل الكتاب وثيقة مهمة لفهم التحولات التي شهدتها الرئاسة الأمريكية.
*نحو عهد جديد من التقييم البراغماتي
يضع كتاب Regime Change العالم أمام حقيقة استراتيجية، مفادها أن عهد السياسات التقليدية والدعم المطلق قد أفسح المجال لنموذج حكم تحركه البراغماتية الشخصية، وحسابات الداخل الانتخابي والاقتصادي.
إن هذا التحول الهيكلي نحو “الرئاسة الإمبراطورية”سينعكس على القرارات الدولية الكبرى، التي لم تعد تُصنع فقط داخل أروقة المؤسسات المختصة، بل أصبحت أيضاً مرآةً لحدس القيادة الفردية، ومدى تلاؤم الملفات الخارجية مع الأولويات الاقتصادية المحلية، وتطلعات الشارع والناخب الأمريكي


(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

