آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب الأسبوع » نصف قرن على الطبعة الأولى..منذر مصري يعيد إصدار ديوان “بشر وتواريخ وأمكنة”

نصف قرن على الطبعة الأولى..منذر مصري يعيد إصدار ديوان “بشر وتواريخ وأمكنة”

يعود ديوان «بشر وتواريخ وأمكنة» للشاعر منذر مصري إلى القراء في طبعة جديدة أصدرتها دار جدار للثقافة والنشر «الإسكندرية – مالمو»، بعد نحو خمسين عاماً على صدور طبعته الأولى، ضمن مشروعها الرامي إلى إعادة تقديم الأعمال المؤسسة في قصيدة النثر العربية، وإتاحتها بصيغتيها الورقية والرقمية.

ويُعدّ هذا الديوان واحداً من المنجزات التأسيسية في قصيدة النثر العربية، تبلورت فيه الملامح الأساسية للمشروع الشعري لمنذر مصري، فمنذ ظهوره أواخر سبعينيات القرن الماضي، استرعى الانتباه بوصفه اقتراحاً شعرياً مختلفاً نقل القصيدة من فضاءات البطولة إلى الإنسان العادي، ومن البلاغة المتعالية إلى لغة مقتصدة ومكثّفة، قريبة من تفاصيل الحياة اليومية دون أن تفقد شعريتها.

يبني الديوان عالمه من البشر والتواريخ والأمكنة، لتغدو هذه العناصر نسيجاً داخلياً للقصيدة، فالتواريخ جزء من البنية الشعرية، فيما تتحول المدن والقرى والأسماء المعروفة منها والمجهولة، إلى ذاكرة شعرية تتداخل فيها الحرب والحياة واليومي والوجودي، لتشكل تجربة متماسكة تبدو أقرب إلى سيرة زمن كامل منها إلى مجموعة قصائد منفصلة.

ويضم الديوان نصوصاً أصبحت علامات بارزة في تجربة الشاعر، من بينها: «يصدق الغربان»، و«أنا سيزيف الذي»، و«رعشة عشبك الدامي» و«المقاطع الخمسة» وغيرها من القصائد التي رسخت حضورها في تاريخ قصيدة النثر العربية، وظلت حاضرة في القراءات النقدية وفي الأعمال الشعرية الكاملة للمصري.

وتمثل هذه الطبعة إعادة اكتشاف لكتاب حافظ على حضوره لأكثر من نصف قرن، بوصفه وثيقة من تاريخ قصيدة النثر العربية، واعتباره نصاً لا يزال قادراً على إنتاج قراءات جديدة، بفضل رؤيته الخاصة للعلاقة بين الإنسان والتاريخ والمكان، وبين اللغة وتجربة العيش اليومية.

وفي مقدّمة الطبعة الجديدة، التي كتبها المصري تحت عنوان: «طفلي الأول- بشر وتواريخ وأمكنة»، يقول: «بقيت شاعراً بكتاب واحد أو بكتاب وثلث إذا أخذ بالحسبان مشاركتي لأختي مرام وصديقي محمد سيدة في “أنذرتك بحمامة بيضاء”، مدة ثمانية عشر عاماً، من إصدار هذا الكتاب حتى إصدار “مزهرية على هيئة قبضة يد”. لدرجة أني أقنعت نفسي بأن الشاعر الحقيقي هو من يصدر كتاباً واحداً طوال حياته، يودعونه معه القبر».

أما مقدّم الديوان الشاعر خلف علي الخلف، فقد عنون مقدمته :«منذر مصري خط أحمر» فكتب: «قرأت منذر مصري باكراً، في المرحلة الثانوية على الأرجح. كنت، مثل كثيرين من أبناء الرقة الذين  لا يملكون في ذلك الوقت من مباهج الدنيا سوى الخروج إلى النهر(الفرات) والقراءة وشراء الكتب زهيدة الثمن التي كانت تصدرها وزارة الثقافة، وحين أتت بي جامعة حلب، متأخراً إلى شعرائها في ملتقاها الأدبي وجدت اسم منذر مصري رائجاً إلى جانب شعراء آخرين تكرمهم منذر في مقدمة هذه الطبعة من «بشر وتواريخ وأمكنة». لم يشكل هو، ولا أولئك، أي هاجس لي يدفعني إلى تبني تجربتهم، فقد كنت في مكان آخر. لم أكن أجمل قصيدة النثر العربية، بأعلامها وحتى مجهولها، فمنذ المرحلة الثانوية كان معلمي الراحل عبد اللطيف خطاب يزودني أسبوعياً بمختارات من كتبهم، إلى جانب الدراسات والتنظيرات النقدية، فأعيدها إليه في الأسبوع التالي وأستلم غيرها. غير أن منذر بدا لي مختلفاً عن الآخرين، ولا أدري إن كان هذا الإحساس قد تشكل من القراءة الباكرة أم جاء لاحقاً، فلم تكن قصيدته بسيطة، وإن بدت كذلك لأول وهلة، منذر لم يبسط القصيدة حتى تفقد مجازها كما فعل كثير من مجايليه، ولم يغرقها في الغموض كما فعل آخرون، بل جعلها أكثر تعقيداً كلما بدت أبسط».

ويرى الخلف أن القراءة والثقافة المعرفية أسهمتا في منح قصيدة منذر مصري كثافتها الفكرية والفلسفية، مع احتفاظها ببساطتها واقتصادها اللغوي، بعيداً عن التجريد المفرط أو الانفصال عن العالم.

ويأتي إصدار هذه الطبعة ضمن سلسلة منشورات دار جدار للثقافة والنشر التي تُعنى بإعادة نشر الأعمال الأدبية العربية ذات القيمة الجمالية والتاريخية، بالتوازي مع تقديم الأصوات الجديدة في الشعر والرواية والفكر.

ونختار من الديوان:

غير أني أعترف
بأن ما أحسنتُ عليه
تلك الطريقة التي تندفع بها
مباشرةً إلى القلب
مطالعُ قصائدي
كدخول نورٍ إلى الخلية
أو اقتحام بيتٍ بركل الباب بالقدم
قد تعذرت عليّ منذ البداية
مذ أن عبرنا مصطبات تجفيف الملح
مروراً بحقول القصب
وطرابلس التي لم تكن تستحق بنظرنا
التوقف بها ولو للحظات
والقرى التي اندلقت بيوتها على بطن الجبل
وتكوّمت عند أقدامه
إلى مدخل بيروت الشمالي
حيث حطّ بنا الرحال

يُذكر أن الشاعر والرسام منذر شكيب مصري، المولود في اللاذقية عام 1949، بدأ مسيرته بنشر قصائده في كراسات صغيرة كان يطبعها ويوزعها بنفسه، قبل أن يصدر ما يقارب عشرين كتاباً شعرياً ونثرياً، وتُرجمت مختارات من أعماله إلى عدد من اللغات العالمية، وشارك في مهرجانات وملتقيات أدبية وفنية عربية ودولية، فيما صدرت أعماله الشعرية الكاملة في ثلاثة أجزاء عام 2023، وكانت الطبعة الأولى من ديوان «بشر وتواريخ وأمكنة» صدرت عام1979

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

البيان والتبيين للجاحظ… أصل من أصول الأدب وذاكرة البلاغة العربية

    ضمن زاوية سانا الثقافية الأسبوعية “أمهات الكتب”، نقف عند كتاب “البيان والتبيين” لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، أحد أكثر الكتب رسوخاً في ...