علي عبود
بما أن وزير الخارجية التركي، حاقان فيدان، أكد أن «إيران ليست هدفاً لاتفاقية مكة»، وأن هذه الاتفاقية الموقعة من قادة السعودية وتركيا وباكستان في 7/8/2026 تحمل «طبيعة دفاعية» فقط، فإن السؤال: دفاع ضد.. من؟
توقعنا أن تُركّز معظم قراءات «المحللين» على أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» موجهة ضد إيران، لأن السعودية هي الدولة الوحيدة بين أطراف «الحلف» التي تعرضت للصواريخ الإيرانية.
ووفقاً لهكذا تحليلات، فإن أي استهداف إيراني جديد للسعودية سيستدعي رداً من تركيا وباكستان.. فهل هذا صحيح؟
المنطق يقول إن باكستان كان يجب أن تدافع عن السعودية وفقاً لـ«اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشتركة» الموقعة بين البلدين في 17/9/2025، وبموجبها التزمت الدولتان بمعاملة أي عدوان على إحداهما باعتباره عدواناً على كليهما.. فلماذا لم تهاجم باكستان إيران دفاعاً عن السعودية؟
قد تكون الحجة لدى باكستان جاهزة: إيران قصفت القواعد الأمريكية وليس السعودية.
أكثر من ذلك، توجد قاعدة عسكرية تركية كبيرة في قطر، ومع ذلك لم تقم هذه القاعدة باعتراض الصواريخ الإيرانية الموجهة إلى الدوحة ولا مرة واحدة.. فلماذا؟
قطعاً، الحجة التركية مثل الباكستانية جاهزة: الهدف القواعد الأمريكية وليس الدوحة!
ولنفترض أن إيران شنّت حرباً شاملة على السعودية ، فهل ستنسف تركيا وباكستان العلاقات الاقتصادية والجغرافية السياسية، وتشنّان حرباً ـ تتمناها «إسرائيل» ـ لتدمير إيران؟
المؤكد أن باكستان، التي وقعت اتفاقية تجارية مع إيران في 5/8/2026 بقيمة 10 مليارات دولار سنوياً ـ أي قبل يومين من اتفاقية مكة ـ لن توقع أي اتفاقية تلزمها بمهاجمة جارتها التي تربطها بها علاقات وثيقة وتعمل جاهدة كوسيط لوقف الحرب الأمريكية عليها.
والأكثر أهمية أن علاقات المملكة العربية السعودية جيدة مع طهران، بل لم تتوقف عن التنسيق مع باكستان وتركيا للضغط على الرئيس الأمريكي للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب على إيران.
محللون آخرون جزموا بأن اتفاقية مكة هي ضد «إسرائيل» وليس إيران، منطلقين من أن السعودية لديها المال وتفتقر إلى الجيش القوي، وباكستان قوة نووية بلا مال، في حين أن تركيا أكبر قوة عسكرية في المنطقة بعد «إسرائيل»، وبالتالي يُشكّلون حلفاً قوياً جداً ضد «إسرائيل»، فهل هذا التحليل الساذج صحيح؟
لو كان صحيحاً، لسارعت إيران إلى الانضمام إليه أو باركته، ولما تعاملت معه بشك وريبة!
لقد أغفل كل المحللين عمداً أن دول «اتفاقية مكة» هي صديقة أو حليفة لأمريكا، فهل ستقبل أي إدارة أمريكية بقيام حلف بين عدد من أصدقائها ضد «إسرائيل»؟
الملفت أن تركيا، التي تُعلي صوتها الإعلامي ضد «إسرائيل»، لم تتوقف عن دعمها طوال حرب الإبادة على غزة، كما أنه لا مصلحة لها، مثل باكستان، في انهيار النظام في إيران، فهما سيتحولان إلى الهدف التالي جغرافياً وسياسياً.
أما إيران، فلن تتحول إلى هدف تركي إلا إذا توسعت الحرب وشاركت فيها دول حلف الناتو، كما هو الآن في أوكرانيا، في حين لا مصلحة لباكستان في إسقاط إيران «الصديقة»، وهي التي في نزاع دائم ومزمن مع جارتها اللدودة الهند.
بقي أمام قلة من «المحللين» احتمال ثالث، وهو أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» موجهة ضد الحوثيين في صنعاء، والسؤال: هل تركيا وباكستان، اللذان لم يشاركا في التحالف الذي قادته السعودية منذ عام 2015 ضد الحوثيين، مستعدتان الآن لفتح جبهة قتال في البحر الأحمر ستؤدي إلى إغلاق قناتي باب المندب والسويس؟
لم يتحدث المحللون عن الهدف الواقعي جداً للسعودية من إقامة عدة تحالفات وشراكات، وهو «تنويع» الحمايات السياسية، ولو كانت معنوية و«ورقية»، بعد أن كشفت الحرب الأمريكية ـ «الإسرائيلية» ضد إيران أن مقولة الرئيس المصري الراحل حسني مبارك الشهيرة «المتغطي بالأمريكان عريان».. صحيحة جداً!
نعم، الاتفاقات مع أمريكا هي التي حوّلت السعودية، مثل دول الخليج والأردن، إلى هدف للصواريخ الإيرانية والحوثية، فأساطيل أمريكا وطائراتها أتت كلها للدفاع عن «إسرائيل» لا عن الخليج أو أي دولة في المنطقة.
ولو افترضنا أن أمريكا لم تستطع منع نشوب حرب قد تندلع في المستقبل القريب بين تركيا و«إسرائيل»، فستدعم بكل إمكاناتها «إسرائيل» وليس تركيا، الصورة واضحة ولا داعي للتحليلات المزاجية و«العنترية».
الخلاصة: الاتفاقات الأمنية والاقتصادية التي بدأت السعودية بنسجها في السنوات القليلة الماضية تدخل في إطار «تنويع الخيارات والحمايات» لممارسة الضغط السياسي على الإدارات الأمريكية، وهو ما نجحت به في الأسابيع الأخيرة ومنع من استمرار الحرب على إيران، بعد أن كانت علاقات السعودية الأمنية والدفاعية مقتصرة على أمريكا فقط، وهي لن تتوقف عن تنويع المزيد من الاتفاقيات مع الدول المؤثرة في الأمدين القريب والبعيد، وخاصة بعد أن تأكدت بالدليل القاطع مع التصعيد الحربي في المنطقة للمرة الأولى صحة مقولة الرئيس الراحل مبارك: المتغطي بالأمريكان عريان!!
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
