آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » عالمٌ عالق بين الحروب: حين تتحول القوة إلى عبء

عالمٌ عالق بين الحروب: حين تتحول القوة إلى عبء

 

د. سلمان ريا

 

ليس أخطر ما في اللحظة الدولية الراهنة أن العالم يعيش حروباً متعددة في وقت واحد، بل أن هذه الحروب تبدو عاجزة عن إنتاج نهايات سياسية. الحرب في أوكرانيا لم تُفضِ إلى نصر روسي حاسم ولا إلى هزيمة أوكرانية حاسمة، والحرب في الشرق الأوسط لم تنتج استقراراً إقليمياً قابلاً للحياة، وأوروبا تبدو عالقة بين خطاب عسكري متصاعد وقدرة محدودة على تحمل تبعاته، فيما تراقب الصين هذا المشهد من موقع قوة هادئة لا تحتاج، في الوقت الراهن، إلى المخاطرة كي تحقق مكاسب استراتيجية.

 

ليست هذه أزمات منفصلة، بل مظاهر لأزمة أعمق في طريقة إدارة القوة الغربية للعالم.

 

بعد انتهاء الحرب الباردة، ترسخ في واشنطن والعواصم الأوروبية اعتقاد بأن التفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي الغربي يتيح إعادة تشكيل البيئة الدولية بالقوة، وأن الخصوم يمكن إخضاعهم تدريجياً عبر العقوبات والضغوط الاقتصادية والتفوق الجوي والتدخلات العسكرية ودعم الحلفاء المحليين. وكان الافتراض الضمني أن الغرب يمتلك دائماً احتياطياً إضافياً من القوة، وأن خصومه هم الذين سينهكون أولاً.

 

لكن العقود الأخيرة قدمت صورة مختلفة. العراق لم يتحول إلى النموذج الديمقراطي الذي كان متوقعاً له، وأفغانستان انتهت بانسحاب أمريكي ترك أسئلة قاسية حول جدوى الحرب الطويلة، وليبيا لم تنتج الاستقرار الذي وُعد به التدخل الخارجي، وأوكرانيا دخلت عامها الخامس من الحرب من دون أن يتمكن أي طرف من فرض تسوية نهائية. واليوم، بعد اتساع الحرب في الشرق الأوسط، بدأت تظهر مشكلة كانت بعيدة عن النقاش العام: القوة العسكرية نفسها لها حدود مادية.

 

لم يعد ممكناً افتراض أن الولايات المتحدة تستطيع خوض حروب عالية الكثافة في أكثر من مسرح، ثم تعويض كل ما تستهلكه صناعتها الدفاعية بالسرعة المطلوبة. فالصواريخ الاعتراضية المتقدمة ليست سلعة يمكن إنتاجها فوراً بمجرد زيادة الإنفاق. بناء القدرة الإنتاجية يحتاج إلى مصانع، وسلاسل توريد، ومكونات متخصصة، وعمالة ماهرة، وعقود طويلة الأجل. وقد أدى الاستنزاف الناجم عن الحرب في إيران، بالتزامن مع احتياجات أوكرانيا، إلى تحويل هذه المسألة من موضوع متخصص داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية إلى مشكلة استراتيجية علنية.

 

والمغزى الاستراتيجي لذلك أوسع بكثير من مسألة الصواريخ. فالدولة التي تخوض حرباً لا تستهلك المال والسلاح فحسب؛ إنها تستهلك جزءاً من قدرتها المستقبلية على خوض حرب أخرى. وإذا أصبحت واشنطن مضطرة إلى المفاضلة بين حماية قواتها في الشرق الأوسط، ودعم الدفاعات الأوكرانية، والاحتفاظ بمخزون كافٍ لردع الصين، فإن مفهوم التفوق العسكري الأمريكي يتغير من امتلاك قوة هائلة إلى إدارة ندرة متزايدة.

 

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما ازدادت الأزمات التي تدخلها الولايات المتحدة، تقل قدرتها على التعامل مع الأزمة التي تعتبرها، على المدى الطويل، الأكثر أهمية، أي المنافسة مع الصين.

 

لذلك لم يعد السؤال الحقيقي في واشنطن هو فقط: هل تستطيع الولايات المتحدة الانتصار في حرب معينة؟ بل أصبح: ماذا سيبقى من قدرتها إذا اندلعت حرب ثانية قبل أن تنتهي الأولى؟

 

هذه النقلة في التفكير قد تكون أهم من أي معركة منفردة.

 

في أوكرانيا تظهر المشكلة نفسها بصورة أوضح. فقد ثبت أن الحياد الأوكراني، الذي كان يبدو في ربيع 2022 مخرجاً ممكناً، لم يتحول إلى تسوية. وفي المقابل لم تؤدِ سياسة إبقاء باب عضوية حلف شمال الأطلسي مفتوحاً إلى حل المشكلة الأمنية، بل بقيت بالنسبة إلى موسكو أحد مصادر الخطر الاستراتيجي الأساسية. وحتى داخل المعسكر الغربي بدأت تظهر تصورات أكثر واقعية لصيغة ما بعد الحرب، تقوم على عدم انضمام أوكرانيا رسمياً إلى الحلف، مع توفير ترتيبات أمنية بديلة، بدلاً من إبقاء العضوية الأطلسية باعتبارها الحل الوحيد.

 

لكن المشكلة الحقيقية ليست في العثور على صيغة ترضي الجميع، فهذا شبه مستحيل، وإنما في بناء اتفاق يستطيع البقاء بعد تغير الحكومات.

 

روسيا لا تملك سبباً كافياً للثقة بأن أي اتفاق تعقده مع إدارة أمريكية أو حكومة أوروبية اليوم سيبقى قائماً بعد سنوات. وأوكرانيا، من جهتها، لا تملك سبباً كافياً للثقة بأن أي ضمان روسي سيبقى قائماً بعد تغير الظروف. لذلك فإن التسوية القابلة للحياة تحتاج إلى شيء أكثر من وقف لإطلاق النار: تحتاج إلى بنية دولية تجعل خرق الاتفاق أكثر كلفة من الالتزام به.

 

وهنا ينبغي استخلاص الدرس من اتفاقات مينسك. الاتفاق الذي يعتمد على حسن نيات الأطراف لا يكون مستقراً عندما تكون مصالحها الأمنية الأساسية متعارضة. أما الاتفاق الذي يتضمن آليات للتحقق، وتدرجاً في رفع العقوبات، وضمانات متعددة الأطراف، وترتيبات عسكرية واضحة، وآليات لمعالجة الانتهاكات، فيمكن أن يقلل مساحة الشك حتى عندما لا توجد ثقة سياسية.

 

لهذا فإن وقف إطلاق النار ليس هدفاً كافياً. قد يكون وقف إطلاق النار بلا تسوية مجرد استراحة بين حربين.

 

الأكثر واقعية هو تجميد النزاع مع تأجيل بعض القضايا التي لا يمكن حلها فوراً، ولا سيما السيادة النهائية على الأراضي المتنازع عليها، مقابل تثبيت ترتيبات أمنية وعسكرية واقتصادية طويلة الأجل. ويمكن أن تكون الحدود الفعلية مختلفة عن الحدود القانونية، كما حدث في نزاعات أخرى استمرت فيها الخلافات القانونية بينما توقف القتال.

 

المشكلة الأصعب ستظل الأراضي. فروسيا تستطيع أن تقول إن استمرار تقدمها العسكري يجعل من غير العقلاني أن تتنازل عن أهداف يمكن أن تحققها بالقوة. وفي المقابل، لا يستطيع أي قائد أوكراني بسهولة أن يأمر قواته بالانسحاب من أراضٍ ما زالت تحت سيطرتها بعد سنوات من القتال. ولذلك تحتاج التسوية إلى تحويل الانسحاب العسكري، حيث يكون ضرورياً، من هزيمة سياسية إلى جزء من ترتيب أوسع يمكن للقيادة الأوكرانية أن تقدمه إلى شعبها باعتباره ثمناً لأمن طويل الأجل، لا استسلاماً.

 

هذه هي الدبلوماسية التي لا تزال غائبة: دبلوماسية تمنح كل طرف ما يكفي لكي يقول إنه لم يُهزم.

 

المشكلة نفسها تظهر في الشرق الأوسط، وإن كانت في صيغة مختلفة. فإيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة لا تعاني فقط من خلافات حول الملفات النووية والصاروخية والأمنية؛ إنها تعاني من أزمة ثقة عميقة في استمرارية أي اتفاق. الاتفاق الذي يمكن أن تلغيه إدارة أمريكية جديدة ليس ضمانة استراتيجية، كما أن القرار الدولي الذي لا تدعمه إرادة سياسية حقيقية لا يستطيع وحده حماية أي تسوية.

 

ولهذا فإن تدويل الاتفاقات قد يكون ضرورياً، لكنه ليس كافياً. قرار مجلس الأمن يمكن أن يمنح الشرعية والاستمرارية القانونية، لكنه لا يستطيع أن يصنع توافقاً سياسياً غير موجود. الضمان الأكثر صلابة هو الجمع بين المعاهدة الدولية، وآليات التحقق، والحوافز الاقتصادية، والعقوبات القابلة للعكس، والالتزامات الأمنية المحددة، بحيث يصبح الاتفاق شبكة من المصالح المتشابكة لا ورقة يمكن تمزيقها بتغير رئيس أو حكومة.

 

لكن هل تستطيع المؤسسات الغربية إنتاج مثل هذه التسويات؟

 

هنا تظهر المشكلة الأعمق.

 

الدول لا تتعلم من الحروب بالضرورة لأنها تخسرها. أحياناً تتعلم منها، وأحياناً تعيد تفسيرها بحيث لا تضطر إلى مراجعة افتراضاتها الأساسية. وهذا ما يجعل الفشل الاستراتيجي أخطر من الفشل العسكري. يمكن للمؤسسة العسكرية أن تغير أساليبها بعد معركة فاشلة، لكن النظام السياسي قد يرفض الاعتراف بأن المشكلة كانت في التصور الذي قاد إلى الحرب نفسها.

 

عندما يتحول كل فشل إلى «نقص في المعلومات»، يصبح الحل دائماً مزيداً من الاستخبارات، ومزيداً من المستشارين، ومزيداً من الضربات الدقيقة، ومزيداً من الإنفاق. لكن المشكلة قد لا تكون نقص المعلومات، بل سوء تفسيرها.

 

لقد تكرر هذا النمط في حروب مختلفة. يجري تصور الخصم من خلال النموذج الذي يرغب صانع القرار في أن يكون صحيحاً، ثم تفسر مقاومة الخصم باعتبارها دليلاً على حاجته إلى مزيد من الضغط. وعندما لا يحدث الانهيار المتوقع، يقال إن الضغط لم يكن كافياً.

 

وهكذا يصبح الفشل سبباً لتكرار السياسة نفسها.

 

وفي هذا السياق، ينبغي الحذر أيضاً من تصوير روسيا والصين وإيران باعتبارها تحالفاً موحداً. بينها تقارب استراتيجي ومصالح متقاطعة، لكن ذلك لا يجعلها كتلة سياسية وعسكرية واحدة. الصين، على سبيل المثال، تبدو أكثر ميلاً إلى الاستفادة من أخطاء الآخرين من المخاطرة بحرب مباشرة. وهذا يتسق مع نمط استراتيجي طويل الأمد يقوم على ترك المنافسين يستنزفون أنفسهم بينما تتراكم القوة الاقتصادية والتكنولوجية الصينية.

 

وهنا تصبح تايوان المثال الأهم.

 

ليس صحيحاً أن ضعف الولايات المتحدة في مسرح آخر يعني تلقائياً أن الصين ستغتنم الفرصة لغزو الجزيرة. قد يكون العكس هو الأكثر عقلانية. فحرب تايوان ستكون مغامرة ضخمة حتى بالنسبة إلى الصين، وستحمل مخاطر اقتصادية وجيوسياسية لا يمكن تقدير نتائجها بسهولة. ومن مصلحة بكين، ما دام الزمن يعمل لمصلحتها، أن تتجنب إعطاء واشنطن وحلفائها سبباً لتوحيد صفوفهم بصورة أوسع.

 

وهذا هو الفرق بين القوة الاستراتيجية والقوة العسكرية المباشرة. القوة لا تعني دائماً القدرة على الضرب؛ أحياناً تعني القدرة على الانتظار.

 

أما أوروبا، فتبدو عالقة في تناقضها الخاص. فهي تريد أن تكون قوة استراتيجية مستقلة، لكنها لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في أجزاء أساسية من الردع والتسليح والاستخبارات. وفي الوقت نفسه، لا توجد داخل الاتحاد الأوروبي رؤية واحدة للحرب أو للعلاقة المستقبلية مع روسيا.

 

إذا كانت هناك تسوية جدية مع روسيا، فمن المرجح أن تحتاج إلى مجموعة محدودة من الدول الأوروبية الكبرى القادرة على تحمل المسؤولية السياسية عنها، لا إلى محاولة جمع جميع الحكومات الأوروبية في موقف واحد منذ اللحظة الأولى.

 

لكن أوروبا تواجه أيضاً مشكلة أعمق: لم تعد قادرة على افتراض أن المظلة الأمريكية ستظل بلا حدود. وهذا يعني أنها ستضطر عاجلاً أم آجلاً إلى الإجابة عن سؤال كانت تؤجله منذ نهاية الحرب الباردة: هل تريد أن تكون مجرد مساحة جغرافية محمية من قوة خارجية، أم تريد أن تصبح فاعلاً استراتيجياً قادراً على اتخاذ قرارات الحرب والسلام وتحمل تكلفتها؟

 

لكن التحول الأوروبي، كما التحول الأمريكي، لن يأتي بالضرورة نتيجة الاقتناع الفكري. غالباً ما تأتي التحولات الاستراتيجية بعد أن تصبح تكلفة السياسة القديمة أعلى من تكلفة تغييرها.

 

وهذا يعيدنا إلى السياسة الداخلية. فالحروب الخارجية لا تبقى خارجية عندما تؤثر في التضخم والطاقة والضرائب والإنفاق العام. وكلما طالت الحروب، أصبح من الصعب على الحكومات الفصل بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية.

 

وقد تكون هذه هي نقطة الضعف الحقيقية في المشاريع العسكرية الطويلة: ليست المعركة التي يخسرها الجيش، بل اللحظة التي يقرر فيها الناخب أن الحرب لم تعد تستحق ثمنها.

 

غير أن ذلك لا يعني أن تحولاً كبيراً وشيكاً. الأنظمة السياسية تستطيع الاستمرار في السياسات الفاشلة لفترة أطول مما يتوقعه المراقبون، خصوصاً عندما تكون النخب السياسية متفقة على تعريف المشكلة، حتى لو اختلفت حول الوسائل.

 

ولهذا يبدو العالم في أغسطس/آب 2026 عالقاً بين مسارين: حرب لا يستطيع أحد حسمها بسهولة، ودبلوماسية لم تستجمع بعد القوة السياسية الكافية لفرض تسوية.

 

وقد يكون هذا الجمود أخطر من الحرب نفسها إذا أصبح دائماً. فالجمود يعني أن الأطراف تستمر في دفع كلفة الحرب من دون الاقتراب من حل، وأن الموارد العسكرية تستنزف، وأن المجتمعات تتكيف مع منطق التعبئة، وأن كل جولة جديدة تجعل التراجع أصعب سياسياً.

 

ومع ذلك، فإن الجمود يحمل في داخله بذرة الحل. عندما يصل كل طرف إلى النقطة التي يدرك فيها أن الاستمرار لا يمنحه ما يكفي من المكاسب، بينما يصبح البديل التفاوضي أقل سوءاً من الحرب، تبدأ الدبلوماسية الحقيقية.

 

قد لا يحدث ذلك لأن أحد الأطراف اقتنع بأنه كان مخطئاً. وقد لا يحدث لأن النخب أصبحت أكثر حكمة. قد يحدث ببساطة لأن ميزان التكلفة والعائد تغير.

 

وهذه ربما هي الحقيقة الأكثر قسوة والأكثر واقعية في النظام الدولي الحالي: الدول نادراً ما تنهي الحروب عندما تتعلم فجأة أن الحرب كانت خطأ. إنها تنهيها عندما يصبح استمرار الخطأ أكثر كلفة من الاعتراف به.

 

المطلوب، لذلك، ليس انتصاراً دعائياً لأي طرف، ولا هدنة مؤقتة، ولا خطاباً أخلاقياً جديداً. المطلوب هو بناء تسويات يستطيع الخصوم العيش معها، وضمانات تستطيع الحكومات اللاحقة احترامها، ومؤسسات تستطيع مراقبتها، وتوازنات تجعل العودة إلى الحرب أقل منفعة من الحفاظ على السلام.

 

إذا فشل النظام الدولي في إنتاج ذلك، فإن العالم لن يدخل بالضرورة حرباً عالمية شاملة غداً. الخطر الأكثر واقعية هو شيء أكثر بطئاً وأقل درامية: عالم من الحروب غير المحسومة، والأزمات المتكررة، والردع المتآكل، والموارد العسكرية المستنزفة، والتحالفات المتغيرة، بينما تراقب قوى صاعدة المشهد وتنتظر.

 

وفي مثل هذا العالم، قد لا تكون المشكلة أن الغرب فقد القوة.

 

المشكلة أنه لم يعد يعرف جيداً متى يستخدمها، ومتى يتوقف عن استخدامها، وكيف يحولها إلى تسوية سياسية قبل أن تتحول القوة نفسها إلى عبء على أصحابها

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين يكون العجز نعمة…

    د. علاء البرهوم   من أسهل الأمور على الإنسان أن يقف على هضبة مريحة، ناظرًا إلى معترك الحياة من الأعلى، ليوزع صكوك الغفران، ...