آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » حين تصبح الأولوية لبناء الوطن لا لتغذية الانقسامات

حين تصبح الأولوية لبناء الوطن لا لتغذية الانقسامات

د. عادل صادق حسن

 

 

 

في مرحلة تحتاج فيها سورية إلى كل جهد مخلص لإعادة البناء واستعادة الاستقرار، يبدو مؤسفاً أن ينشغل البعض بسجالات تاريخية ومقارنات مذهبية لا تسهم في معالجة أزمات الحاضر، ولا تقدم حلولاً لمشكلات الناس اليومية.

الأجدى اليوم أن نوجّه اهتمامنا إلى الأسئلة التي تمس حياة السوريين ومستقبل بلدهم: كيف نعيد بناء الاقتصاد؟ وكيف نستثمر مواردنا الوطنية، وفي مقدمتها النفط، ونستعيد قدرتنا على إنتاج ما يكفينا من القمح والغذاء؟ وكيف نعيد الأمن والأمان، ونضع حداً لحالات الخطف والثأر والفلتان الأمني؟ وكيف نخفف حوادث المرور، ونحسّن الخدمات الأساسية، ونحافظ على نظافة مدننا وبلداتنا؟

والأهم من ذلك كله: كيف نبني سورية التي يشعر فيها المواطن بالأمان والكرامة، ويجد فيها المستثمر البيئة المناسبة للعمل والإنتاج، وتستعيد فيها المؤسسات قدرتها على النهوض بالاقتصاد والخدمات؟

إن جذب الاستثمارات يحتاج إلى بلد مستقر وآمن، وقوانين واضحة، ومؤسسات فاعلة، وبنية تحتية مناسبة، ومجتمع ينظر إلى المستقبل بثقة. وهذه القضايا أكثر إلحاحاً وفائدة من إعادة إنتاج سجالات تاريخية على منصات التواصل الاجتماعي، وتحويلها إلى مادة للانقسام والجدل.

كما أن للشخصيات المؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي مسؤولية أخلاقية ووطنية كبيرة، لأن الكلمة التي تصل إلى آلاف أو ملايين المتابعين يمكن أن تكون عاملاً في التهدئة والبناء، كما يمكن أن تسهم، إذا أسيء استخدامها، في زيادة التوتر والانقسام.

وكان الأولى أن تتجه هذه الطاقات نحو المبادرات الإنسانية والاجتماعية، وزيارة المشافي، ومساعدة المرضى المحتاجين، وإطلاق حملات للتوعية والنظافة والتشجير وحماية الغابات، أو نشر محتوى معرفي وواعٍ يساعد الناس على فهم تحديات المرحلة والمشاركة في تجاوزها.

لا يعني ذلك تجاهل التاريخ أو منع النقاش الفكري، فالتاريخ ملك للجميع، ودراسته ضرورية لفهم الماضي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش التاريخي إلى وسيلة لإثارة الأحقاد وإعادة إنتاج الانقسامات بين أبناء المجتمع الواحد، بدلاً من أن يكون مناسبة للتعلم واستخلاص الدروس.

إن سورية اليوم بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرّق، وإلى أصوات تفتح نوافذ الأمل بدلاً من استدعاء الخلافات. وبحاجة إلى مؤثرين يستخدمون حضورهم في خدمة المجتمع، لا إلى محتوى يبحث عن التفاعل من خلال القضايا الحساسة والمثيرة للانقسام.

ولذلك، فإن مسؤولية مواجهة الخطاب المحرّض لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية كل مواطن واعٍ يدرك خطورة المرحلة، ويمكنه أن يسهم بكلمة مسؤولة، أو موقف هادئ، أو مبادرة إيجابية، أو حتى الامتناع عن مشاركة المحتوى الذي يزيد الاحتقان.

فالوطن لا يُبنى بالجدل وحده، ولا تنهض المجتمعات بتبادل الاتهامات، وإنما بالعمل، والإنتاج، والعلم، والقانون، والتعاون، واحترام التنوع، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار.

لقد آن الأوان لأن نختلف في الأفكار من دون أن نختلف على الوطن، وأن نجعل أولويتنا جميعاً بناء سورية آمنة ومستقرة وقادرة على النهوض من جديد
(اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النهر لا يُعبر مرتين

بقلم:سمير حماد     هناك عبارات في التاريخ قيلت لتظل حكمةً على الألسن والشفاه، وعبرةً للبشر. ومن أشهرها عبارة حكيم اليونان هيراكليتس: «النهر لا يُعبر ...