د. سلمان ريا
ورد في منشور متداول، ذي طابع أكاديمي، تفسيرٌ لبعض المصطلحات القديمة على نحو يوحي بأن «الأمة» كانت منذ القديم تحمل المعنى القومي والسياسي الذي نعرفه اليوم، وأن هذا المعنى يمكن تتبعه بصورة شبه مستقيمة من النصوص القديمة إلى مفهوم الأمة الحديثة. وهذه الفكرة تحتاج إلى تصحيح، لا لأن المصطلحات القديمة بلا علاقة بمفهومنا الحديث، بل لأن العلاقة التاريخية بينهما ليست علاقة تطابق.
أول ما ينبغي توضيحه أن «أُمّة» العربية لا تعني «العبيد». فهناك فرق بين أُمّة بمعنى الجماعة، وبين أَمَة بمعنى المملوكة. والتشابه في الرسم عند غياب التشكيل لا يجعل اللفظين واحدًا ولا المعنيين واحدًا.
لكن المشكلة الأوسع تتجاوز هذه النقطة اللغوية. ففي العربية الحديثة اختلطت، بدرجات مختلفة، مفاهيم الأمة والقومية والشعب والقوم والوطن، ولا سيما في الأدبيات السياسية التي تشكلت مع صعود التيارات القومية العربية في القرن العشرين، من البعث إلى الناصرية والتيارات القومية الأخرى. فأصبحت «الأمة العربية» مفهومًا سياسيًا وقوميًا حديثًا، ثم بدأ هذا المعنى الحديث يُستعاد أحيانًا عند قراءة نصوص أقدم منه بقرون أو آلاف السنين.
وهنا يجب أن نتوقف.
هيرودوت، حين وصف الجماعات التي عرفها العالم اليوناني، استخدم مفردات مثل ethnos وgenos، وكان يهتم باللغة والعادات والأنساب والعبادات وأنماط الحياة. ولم يكن يكتب عن «الأمم» بالمعنى القومي الحديث. وكان اهتمامه باختلاف nomoi، أي العادات والأعراف والقوانين، جزءًا أساسيًا من طريقته في وصف الجماعات البشرية.
أما في روما، فقد أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا. فشيشرون استخدم populus وgens وnatio في حقول دلالية متداخلة، لكنها ليست مترادفات تامة. والأهم أنه عرّف populus في De re publica بأنه ليس مجرد تجمع بشري، بل جماعة ترتبط باتفاق على القانون واشتراك في المصلحة. وفي المقابل ارتبطت gens وnatio أكثر بالأصل والنسب والمنشأ والجماعة.
ومن المهم هنا ألا نحمّل هذه المصطلحات أكثر مما تحتمل: فهي لا تثبت وجود جماعات مغلقة ذات «صفاء عرقي» بالمعنى الحديث، ولا تثبت أن السوريين أو اليهود كانوا يُنظر إليهم بوصفهم جماعة عرقية ثابتة بالمعنى الذي يُراد إسقاطه على النصوص القديمة. فالعالم القديم كان عالم تداخلٍ وانتقالٍ وتبادلٍ بين الجماعات والثقافات.
وهذا مهم جدًا: لا يجوز أن نأخذ كلمة لاتينية مثل natio، أو يونانية مثل ethnos، ثم نترجمها إلى «أمة»، وبعد ذلك نعيد إلى «الأمة» معناها القومي الحديث، ثم نعود بهذا المعنى إلى النص القديم ونقول: لقد كان القدماء يقصدون الأمة كما نفهمها نحن اليوم.
هذا ليس تطورًا تاريخيًا للمصطلح، بل إسقاط لمعنى متأخر على نص أقدم.
وحتى كلمة «سوريا» نفسها مثال جيد على ضرورة الحذر. فالأسماء الجغرافية تتغير دلالاتها مع الزمن، وقد تتسع أو تضيق، وتنتقل من لغة إلى أخرى، ومن تسمية جغرافية إلى تسمية إدارية أو سياسية. ولذلك لا يكفي العثور على اسم قريب في نص قديم للقول إن المقصود هو الكيان الجغرافي والسياسي نفسه الذي نحمله بالاسم اليوم.
المشكلة إذن ليست في استخدام كلمة «أمة» أو «شعب» أو «قوم» عند ترجمة النصوص القديمة؛ فالترجمة تحتاج إلى ألفاظ معاصرة. المشكلة تبدأ عندما ننسى أن الترجمة تفسير، لا استنساخ حرفي للمفهوم التاريخي.
ولهذا فإن القراءة العلمية ينبغي أن تسير في الاتجاه المعاكس: نبدأ من المصطلح في لغته وزمنه وسياقه، نفهم مجاله الدلالي، ثم نبحث عن أقرب مقابل عربي أو حديث، مع الاحتفاظ بالفارق بينهما.
فالتاريخ لا يمنحنا كلمات ذات معانٍ أبدية، بل كلمات تتحرك مع البشر والزمان.
ولذلك لا يكفي أن نعثر على كلمة قديمة تشبه كلمة حديثة لكي نثبت أن المفهوم واحد. قد تكون بينهما صلة تاريخية، وقد يكون أحدهما قد تطور من الآخر، لكن التطور لا يعني التطابق.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالماضي هو أن نجعله يتكلم بمفرداتنا نحن، ثم نعود فنستشهد بكلامه لإثبات أفكار لم تكن قد وُلدت بعد.
نقرأ الماضي لكي نفهم كيف تشكلت مفاهيمنا، لا لكي نعيد مفاهيمنا الحديثة إلى الماضي ونطلب منه أن يشهد لصحتها.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

