آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » حين ينمو الاقتصاد ولا يصبح السوري أغنى: تفكيك وهم الناتج المحلي في سورية الجديدة

حين ينمو الاقتصاد ولا يصبح السوري أغنى: تفكيك وهم الناتج المحلي في سورية الجديدة

 

 

بقلم: محمد صلاح الدين أبوعيسى

 

إذا نما الاقتصاد السوري، فهل يعني ذلك تلقائياً أن السوريين أصبحوا أكثر ثراءً؟

 

الإجابة العلمية: لا.

 

فهذه الحقيقة ليست تشاؤماً أو انتقاصاً من مؤشرات التعافي الاقتصادي، بل ضرورة لفهم الفرق بين نمو الاقتصاد وتحسن حياة الإنسان.

 

قد يرتفع الناتج المحلي بينما يبقى المواطن عاجزاً عن شراء المزيد، وقد تتركز الزيادة في قطاعات أو شرائح محددة، فيما تستمر الأسر في مواجهة فجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.

 

الناتج المحلي ليس كشف حساب للمواطن

 

الناتج المحلي الإجمالي (GDP) يقيس قيمة السلع والخدمات النهائية التي ينتجها الاقتصاد خلال فترة زمنية محددة، وهو مؤشر مهم لحجم النشاط الاقتصادي، لكنه لا يخبرنا إن كان دخل كل أسرة قد ارتفع، أو تحسنت قوتها الشرائية، أو تراجع الفقر، أو زادت الوظائف الجيدة.

 

لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كم نما الاقتصاد؟ بل: كم نما للفرد؟ وكم زاد الدخل الحقيقي؟ ومن استفاد من النمو؟ وماذا يستطيع المواطن أن يشتري بهذا الدخل؟

 

مؤشرات تعافٍ.. لا إعلان ثراء

 

تشير البيانات الدولية الأخيرة إلى تحسن نسبي في النشاط الاقتصادي السوري.

 

فالبنك الدولي أشار إلى انخفاض التضخم إلى نحو 11.5% عام 2025، مقارنة بـ72.1% عام 2024، وإلى تحسن سعر صرف الليرة والنشاط الاقتصادي، مع استمرار التفاوت بين القطاعات.

 

وفي شباط/فبراير 2026، قال صندوق النقد الدولي إن الاقتصاد السوري «يواصل التعافي»، مشيراً إلى تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة اللاجئين، وزيادة توفير الكهرباء، وتحسن الهطولات المطرية، وعودة سورية تدريجياً إلى الاندماج الإقليمي.

 

هذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تعني أن «السوري أصبح أغنى».

 

فالاستقرار النقدي ليس ثراءً، وانخفاض التضخم ليس بالضرورة ارتفاعاً في مستوى المعيشة، وارتفاع الناتج ليس ارتفاعاً تلقائياً في دخل الأسرة.

 

النمو وحده لا يكفي

 

لنفترض أن الاقتصاد نما بنسبة 5%. قد يبدو الرقم جيداً، لكن ماذا لو كان عدد السكان ينمو، أو تركز النمو في قطاعات محددة، أو بقيت البطالة مرتفعة، أو ارتفعت أسعار السلع الأساسية؟

 

لهذا فإن الناتج الحقيقي للفرد أكثر دلالة من الناتج الكلي، لكنه لا يكفي أيضاً إذا كانت عوائد النمو تذهب إلى فئة محدودة.

 

فمليون دولار إضافية للاقتصاد لا تعني الشيء نفسه إذا وزعت على آلاف الأسر، أو ذهبت إلى عدد محدود من الشركات والأفراد.

 

وهنا تصبح القوة الشرائية وتوزيع الدخل من أهم معايير الحكم على النمو.

 

المواطن يسأل: ماذا أستطيع أن أشتري؟

 

قد يسمع المواطن خبراً عن ارتفاع الناتج أو تحسن سعر الصرف، ثم يذهب إلى السوق فلا يجد فرقاً يوازي حجم الخبر.

 

وهذا ليس تناقضاً بالضرورة، لأن تحسن سعر الصرف لا ينتقل آلياً إلى أسعار السلع والخدمات، التي تتأثر بالنقل والطاقة والتمويل والجمارك والضرائب والمخزون وهوامش الربح والمنافسة.

 

لذلك فإن السؤال الأهم ليس: «كم أصبح سعر الدولار؟» بل: «كم أصبح دخلي الحقيقي، وكم أستطيع أن أشتري به؟»

 

التعافي ليس التنمية

 

تخرج سورية من سنوات طويلة من الانكماش والدمار وفقدان رأس المال وتراجع الإنتاج والاستثمار. ولذلك فإن عودة النشاط الاقتصادي بعد هذه السنوات أمر إيجابي، لكنه لا تعني بالضرورة بناء اقتصاد قوي ومستدام.

 

إعادة تشغيل مصنع متوقف تعيد إنتاجاً فقدناه، أما إنشاء صناعة جديدة ذات إنتاجية عالية وتكنولوجيا متقدمة وأسواق تصدير فهو تنمية.

 

وإعادة بناء طريق مدمر ضرورة، لكن إنشاء شبكة نقل تخفض تكلفة الإنتاج وتعزز القدرة التنافسية هو تنمية.

 

وإعادة موظف إلى العمل أمر جيد، لكن خلق وظيفة منتجة بأجر حقيقي قابل للنمو هو الهدف الأكبر.

 

الفارق هو بين إعادة الاقتصاد إلى الحياة وإعادة بناء اقتصاد قادر على المنافسة.

 

سورية تحتاج إلى أكثر من رقم للنمو

 

إذا أردنا أن يشعر المواطن بتحسن الاقتصاد، فلا يكفي استهداف الناتج المحلي. يجب مراقبة الإنتاجية، والأجور الحقيقية، والبطالة، والاستثمار الخاص، والصادرات، والقوة الشرائية، والفقر، وتوزيع الدخل، وجودة الخدمات العامة وتكلفة ممارسة الأعمال.

 

فالنمو الذي لا يولد وظائف منتجة يصبح رقماً، والاستثمار الذي لا يزيد الإنتاجية يصبح رقماً، والعملة المستقرة التي لا تتحول إلى قوة شرائية تصبح رقماً.

 

وهنا تكمن المفارقة السورية: قد يبدأ الاقتصاد بالتعافي قبل أن يشعر المجتمع بأنه تعافى.

 

وهذا طبيعي إلى حد ما في الاقتصادات الخارجة من أزمات عميقة، إذ تتحرك المؤشرات الكلية أحياناً قبل أن تنتقل آثارها إلى حياة الناس. لكن هذه الحقيقة يجب ألا تتحول إلى ذريعة، بل إلى سبب لرفع مستوى الطموح.

 

من اقتصاد الأرقام إلى اقتصاد الإنسان

 

المرحلة السورية الجديدة تحتاج إلى لغة اقتصادية لا تحتقر المؤشرات الكلية ولا تقدسها.

 

فالناتج المحلي، وسعر الصرف، والتضخم، والاستثمار كلها مؤشرات ووسائل لغاية أكبر: أن يصبح السوري قادراً على العمل والإنتاج والادخار والاستثمار وتأمين حياة كريمة لأسرته.

 

لذلك، إذا أعلنت سورية عن نمو اقتصادي إيجابي، فالسؤال الأهم ليس فقط: كم بلغت نسبة النمو؟ بل: كم زاد دخل السوري الحقيقي؟ وهل تحسنت قوته الشرائية؟

 

وإذا دخلت استثمارات جديدة، فالسؤال ليس فقط عن قيمتها، بل عن الوظائف التي خلقتها، والقيمة المضافة التي ولّدتها، والتكنولوجيا التي نقلتها، والصادرات التي أضافتها.

 

أما إذا ارتفع الناتج المحلي، فلا ينبغي أن نعلن مباشرة أن السوريين أصبحوا أغنى، بل نسأل: هل ارتفع الناتج الحقيقي للفرد؟ وهل تحسن توزيع الدخل ومستوى المعيشة؟

 

فالغاية النهائية من الاقتصاد ليست تحسين الرسوم البيانية؛ الاقتصاد وُجد لخدمة الإنسان، لا الإنسان لخدمة المؤشرات الاقتصادية.

 

وفي النهاية، لن يُقاس النجاح الاقتصادي الحقيقي لسورية فقط بارتفاع الناتج المحلي أو حجم الاستثمارات، بل بسؤال أكثر بساطة وصرامة:

 

هل أصبح السوري، بعد كل هذه السنوات، قادراً على أن يعيش أفضل من العام الذي سبقه؟

 

إذا كانت الإجابة نعم، وبصورة واسعة ومستدامة، عندها فقط يمكن القول إن النمو تحول إلى تنمية.

 

أما قبل ذلك، فعلينا أن نحذر من وهم خطير:

 

أن يكبر الاقتصاد على الورق.. بينما يبقى الإنسان في مكانه.

 

ملاحظة منهجية

 

تعتمد هذه القراءة على بيانات وتقييمات حديثة منشورة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ويشير البنك الدولي إلى وجود تحديات وفجوات مهمة في البيانات الاقتصادية السورية، لذلك ينبغي التعامل مع بعض التقديرات بحذر، وعدم تقديم أي رقم تقديري على أنه حقيقة نهائية.

 

محمد صلاح الدين أبوعيسى

باحث ومهتم بالاقتصاد السياسي والإدارة العامة

(موقع أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“الصالون الاقتصادي” في اتحاد غرف التجارة يناقش حدود تدخل الدولة ودور القطاع الخاص في الاقتصاد السوري

    نظّم مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية في اتحاد غرف التجارة السورية الجلسة الثانية من فعالية «الصالون الاقتصادي»، تحت عنوان: «النموذج الأفضل لتدخل الدولة في ...