رئيس التحرير:هيثم يحيى محمد
ليس الإرهاب مجرد عبوة ناسفة أو رصاصة غادرة أو تفجير يحصد أرواح الأبرياء، بل هو مشروع متكامل هدفه الأول ضرب وحدة المجتمع، وإثارة الشك بين أبناء الوطن الواحد، وتحويل الألم إلى كراهية، والحزن إلى انتقام، والدم إلى وقود لفتنة لا تنتهي.
لقد كان التفجير الإرهابي الذي استهدف أبرياء في دمشق يوم امس جريمة مدانة بكل المقاييس الإنسانية والقانونية والأخلاقية، ولا يمكن لأي ضمير حي أن يقبل أو يبرر استهداف المدنيين تحت أي ذريعة أو شعار. لكن الجريمة لا تتوقف عند من خطط لها ونفذها، بل تمتد إلى كل من يحاول استثمارها للتحريض على الكراهية، أو تحميل مكون اجتماعي كامل وزر فعل مجرم أو مجموعة من المجرمين، قبل أن تقول العدالة كلمتها.
إن أخطر ما يواجه سوريا اليوم ليس الإرهاب وحده، وإنما الأصوات التي تسارع، مع كل حادثة، إلى توزيع الاتهامات، وإحياء الانقسامات، والدعوة إلى الإقصاء أو التهجير أو العقاب الجماعي. فهذه الدعوات لا تقل خطورة عن الإرهاب نفسه، لأنها تحقق له الهدف الذي عجز عن تحقيقه بالقوة، وهو تمزيق المجتمع السوري من الداخل.
لقد علمتنا التجارب أن الإرهاب لا طائفة له، ولا قومية، ولا مذهب، ولا منطقة. المجرم يبقى مجرماً مهما كان اسمه أو انتماؤه، والضحية تبقى ضحية مهما كانت هويتها. ولذلك فإن العدالة الحقيقية لا تعرف سوى فرد ارتكب جريمة يجب أن يحاسب عليها، ولا تسمح أبداً بأن تتحول المسؤولية الجنائية إلى تهمة جماعية تطال الأبرياء.
ومن هنا، فإن الموقف الوطني والأخلاقي يقتضي أن تكون المطالبة واضحة وحاسمة: كشف الحقيقة كاملة، وملاحقة كل من شارك أو خطط أو موّل أو حرّض على هذا العمل الإرهابي، وإنزال أشد العقوبات التي يجيزها القانون بحق كل من تثبت مسؤوليته، دون أي اعتبار لانتمائه الاجتماعي أو الديني أو القومي أو السياسي. فلا حماية لمجرم، ولا حصانة لإرهابي، ولا مكان لمن يثبت القضاء أن يداه تلطخت بدماء السوريين .
وفي الوقت نفسه، فإن حماية السلم الأهلي مسؤولية لا تقل أهمية عن ملاحقة الإرهابيين. فالكلمة قد تكون أحياناً أشد فتكاً من الرصاصة، والمنشور المحرّض قد يفتح باباً لفتنة يصعب إغلاقه. ولهذا فإن كل خطاب يدعو إلى الكراهية أو التهجير أو الانتقام الجماعي يجب أن يواجه بالحزم نفسه الذي تواجه به الأعمال الإرهابية، لأنه يهدد أمن المجتمع ووحدته ومستقبله.
إن الدم السوري محرّم، وكل قطرة دم سالت على هذه الأرض هي خسارة لسوريا كلها. ولا يجوز أن يكون الألم سبباً لولادة ظلم جديد، ولا أن تتحول الجريمة إلى ذريعة لمعاقبة الأبرياء أو التشكيك في وطنية أي مكون من مكونات المجتمع السوري. فالوطن لا يُقاس بالطائفة أو العرق أو المنطقة، بل بالانتماء إليه والعمل من أجل استقراره وكرامة أبنائه.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج سوريا إلى أن ينتصر صوت العقل على صخب التحريض، وصوت القانون على دعوات الثأر، وصوت الوطن على كل الأصوات التي تريد إعادة إنتاج الانقسام. فبناء سوريا الجديدة لن يكون ممكناً إلا بمشاركة جميع أبنائها، دون استثناء أو إقصاء، على أساس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة التي تنصف المظلوم وتعاقب المجرم، وتحفظ كرامة الإنسان.
لن ينتصر الإرهاب إذا بقي السوريون موحدين، ولن تنجح الفتنة إذا أدرك الجميع أن الوطن أكبر من أي انتماء ضيق، وأن العدالة هي الطريق الوحيد لإنصاف الضحايا، وأن المستقبل لا يُبنى بالأحقاد، بل بالشراكة والثقة وسيادة القانون.
إن سوريا التي نحلم بها ليست سوريا الغلبة، بل سوريا الدولة؛ ليست سوريا الانتقام، بل سوريا العدالة؛ ليست سوريا الإقصاء، بل سوريا التي تضم جميع أبنائها تحت راية وطن واحد، لأن قوة الأوطان لا تُقاس بعدد من ينتصرون على بعضهم، بل بقدرتها على أن تجمع أبناءها حول قيم الحق والعدالة والإنسانية
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

