عدنان كامل الشمالي
في أعالي جبال محافظة طرطوس، وبين الغابات الكثيفة التي تعبق برائحة الصنوبر والسنديان، يرقد واحد من أكثر المواقع الأثرية تميزاً في سورية. إنه حصن سليمان، المكان الذي لا يكتفي برواية تاريخ آلاف السنين، بل يمنح زائره تجربة فريدة تمتزج فيها رهبة الآثار بعذوبة الطبيعة، ويغدو الصمت جزءاً من جمال المكان.
يقع حصن سليمان على السفوح الشمالية الغربية لجبل النبي صالح، على ارتفاع يقارب 790 متراً فوق سطح البحر، ويبعد نحو 50 كيلومتراً شرق مدينة طرطوس، وحوالي 20 كيلومتراً شمال شرقي صافيتا، و15 كيلومتراً عن مدينة الدريكيش. ويحيط به طوق من الجبال والغابات، حتى يبدو وكأنه معبد اختارته الطبيعة بعناية ليظل بعيداً عن ضجيج المدن، محتفظاً بسحره وهيبته.
ويعود تاريخ الموقع إلى العصر الآرامي، حين أُقيم فيه معبد مقدس لعبادة الإله المحلي “بيتو خيخي”، ثم ازدهر في العهدين السلوقي والروماني، حيث أُعيد تشييده وتوسعته ليصبح واحداً من أهم المراكز الدينية في الساحل السوري، وعُرف في العصر الروماني باسم معبد زيوس. وبعد انتشار المسيحية تحولت أجزاء من الموقع إلى كنيسة، لتجتمع في هذا المكان آثار حضارات متعاقبة تركت بصمتها على مدى أكثر من ألفي عام.
ورغم أن الاسم الشائع هو “حصن سليمان”،فإن الموقع ليس حصناً عسكرياً بالمعنى المتعارف عليه، بل هو مجمع ديني أثري ضخم تحيط به أسوار حجرية هائلة. وقد جاءت هذه التسمية الشعبية من اعتقاد الأهالي قديماً أن الكتل الحجرية العملاقة، التي يزن بعضها عشرات الأطنان، لا يمكن أن يكون البشر قد شيدوها، فنسبوا بناءها إلى جنّ النبي سليمان. غير أن الدراسات الأثرية تؤكد أنها تمثل إحدى روائع العمارة الآرامية والرومانية.
وعند التجوّل في الموقع، يمر الزائر عبر البوابات الحجرية الضخمة، ويشاهد بقايا المعبد، والساحات الواسعة، والجدران المشيدة بكتل حجرية مهيبة، إضافة إلى النقوش اليونانية واللاتينية التي ما تزال شاهدة على تاريخ هذا المكان. فكل زاوية فيه تحكي قصة، وكل حجر يحمل أثراً لحضارة مرت من هنا وتركت بصمتها للأجيال.
ولا تكمن روعة حصن سليمان في قيمته الأثرية وحدها، بل أيضاً في البيئة الطبيعية التي تحتضنه. فالطريق المؤدي إليه يمر بين الغابات والوديان والينابيع، وعند الوصول يشعر الزائر بأنه دخل عالماً آخر، حيث السكينة المطلقة، والهواء النقي، والإطلالات الجبلية الآسرة. ولهذا يعد الموقع وجهة مثالية لعشاق التاريخ والطبيعة والتصوير، ومقصداً لكل من يبحث عن مكان يجمع بين المعرفة والاسترخاء في آن واحد.
إن زيارة حصن سليمان ليست مجرد رحلة إلى موقع أثري، بل هي سفر عبر الزمن، يبدأ من حضارات الشرق القديم، ويمر بالعهدين اليوناني والروماني، ليستقر بين جبال الساحل السوري التي ما زالت تحتفظ بهذا المكان بكل ما فيه من أسرار وجمال. ومن يقف بين أعمدته وأحجاره العملاقة يدرك أن بعض الأماكن لا تُقاس بعمرها فحسب، بل بما تتركه في النفس من رهبة واعجاب لايزولان


(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

