آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » غسان مسعود… حين يصبح الصدق أعلى أشكال التمثيل

غسان مسعود… حين يصبح الصدق أعلى أشكال التمثيل

كتبت: أسيمة حسن

 

 

 

في لقائه مع محمد قيس ضمن برنامج «قصتي»، لم يكن غسان مسعود يروي سيرة ممثل، بقدر ما كان يكشف عن سيرة إنسان يحاول أن يحمي ما تبقى من المعنى في زمنٍ يستهلك كل شيء بسرعة. لم يتحدث بوصفه نجماً يراجع محطات نجاحه، بل بوصفه فناناً يدرك أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأدوار، وإنما بعمق الأثر الذي تتركه في روح المتلقي.

ما يلفت في هذا اللقاء ليس ما قاله غسان مسعود فحسب، بل الطريقة التي قال بها كل شيء. هناك اقتصاد في الانفعال، ودقة في اختيار الكلمات، وصمت يؤدي وظيفته بقدر ما تؤديه الجملة. بدا وكأنه لا يثق بالخطابة، بل بالحقيقة. والحقيقة عنده ليست شعاراً أخلاقياً، وإنما ممارسة يومية تبدأ باحترام المهنة وتنتهي باحترام الإنسان.

غسان مسعود واحد من أولئك الفنانين الذين لا يمثلون الشخصيات بقدر ما يسكنونها. لذلك يبدو حضوره خارج الشاشة امتداداً لحضوره عليها؛ فلا انفصال بين الإنسان والفنان. وهذه واحدة من أندر الصفات في زمنٍ صار الأداء فيه قابلاً للتصنيع، بينما بقي الصدق عصياً على التقليد.

في حديثه، لا يتعامل مع الفن بوصفه مهنةً تقود إلى النجومية، وإنما مسؤولية معرفية وأخلاقية. ولذلك لا يتحدث عن النجاح بلغة السوق، ولا عن الشهرة باعتبارها غاية، بل بوصفها أثراً جانبياً قد يأتي أو لا يأتي. ما يشغله دائماً هو السؤال الأصعب: ماذا يضيف العمل إلى الإنسان؟ وهذا السؤال وحده يكشف الفارق بين ممثل يبحث عن دور، وفنان يبحث عن معنى.

ولعل القيمة الأكبر في غسان مسعود أنه لا يستهلك الثقافة كزينة لغوية. ثقافته حاضرة في منطقه، وفي نظرته إلى التاريخ، وإلى المسرح، وإلى الحياة نفسها. إنه يتحدث كما لو أن القراءة الطويلة تحولت إلى جزء من نبرة صوته؛ فلا استعراض للمراجع، ولا ادعاء للحكمة، وإنما وعي هادئ يجعل الفكرة تصل قبل أن يشعر المستمع بأنها قيلت.

في زمن أصبحت فيه المقابلات التلفزيونية مساحة للترويج والانفعال السريع، جاء هذا اللقاء أقرب إلى جلسة تأمل. كان محمد قيس يعرف متى يترك ضيفه يتحدث، وكان غسان مسعود يعرف متى يصمت، ومن هذا التوازن وُلد حوار لا يبحث عن الإثارة، بل عن الكشف.

ما يخرج به المشاهد من اللقاء ليس معلومات جديدة عن حياة غسان مسعود، بل انطباع أكثر رسوخاً عن رجل لم يسمح للنجاح أن يفسد حساسيته، ولم يسمح للخسارات أن تسلبه إيمانه بالفن. بدا وكأنه يؤمن بأن الفنان الحقيقي لا يقيس نفسه بعدد الجوائز، وإنما بقدرته على أن يبقى صادقاً مع ذاته، حتى لو تغيّر العالم من حوله.

إن القيمة الفنية لغسان مسعود لا تكمن في أنه أتقن أداء الشخصيات التاريخية أو المركبة فحسب، بل في أنه منح التمثيل بعداً أخلاقياً. فهو لا يؤدي الشخصية ليقنعنا بها، وإنما ليكشف الإنسان المختبئ داخلها. ولهذا تبدو أدواره، حتى بعد سنوات، أقل خضوعاً للزمن، وأكثر قدرة على البقاء.

في نهاية اللقاء، لا يبقى في الذاكرة تصريح بعينه، بل يبقى أثر رجل يذكّرنا بأن الفن العظيم يبدأ من الصدق، وأن الموهبة، مهما اتسعت، تظل ناقصة إذا لم تسندها النزاهة الداخلية. وربما لهذا السبب يبدو غسان مسعود أكبر من ممثل ناجح؛ إنه شاهد على فكرة نادرة تقول إن الإنسان، حين يحافظ على صدقه، يصبح حضوره نفسه عملاً فنياً

 

 

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“سقف تحت الأرض لنوار الماغوط”… قصص تبحث عن الإنسان تحت ركام الذاكرة

    تمثل المجموعة القصصية “سقف تحت الأرض” أحدث إصدارات الكاتب السوري نوار الماغوط، متضمنة 15 قصة قصيرة تستلهم الذاكرة السورية، وتستكشف التحولات الاجتماعية والإنسانية ...