بقلم: المهندس محمود محمد صقر
بعد قراءة مقال الزميل المهندس حسان نديم حسن، المنشور في موقع “أخبار سوريا الوطن”، تحت عنوان:(الرئاسة الإمبراطورية: قراءة في كتاب “Regime Change”بمرآة الصحافة الأمريكية والعالمية“)،تولدت في ذهني بعض الخواطر التي رأيت أنها قد تسهم في إغناء هذا الحوار. فإن أذن لي السيد رئيس التحرير، أضعها بين يدي القارئ، لا على سبيل الرد، بل على سبيل المشاركة في نقاش أوسع؛ لأن الحوار الصادق لا يهدف إلى الانتصار للرأي بقدر ما يهدف إلى الاقتراب من الحقيقة.
فالخلاف، في تقديري، ليس حول وجود إعلام مهني أو تعددي، ولا حول حق وسائل الإعلام في تبني رؤى مختلفة، وإنما حول سؤال أعمق:
هل أصبحت وسائل الإعلام اليوم مجرد ناقلٍ للأحداث، أم أنها تحولت إلى إحدى أدوات بناء التوازنات الدولية؟
إن الجيوبوليتيك لا يقوم على محاكمة النوايا، بل على قراءة حركة المصالح، وفهم الكيفية التي تتفاعل بها أدوات القوة المختلفة في بناء التوازنات أو إعادة تشكيلها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى وسائل الإعلام بوصفها مؤسسات معزولة عن البيئة السياسية والاقتصادية والثقافية التي تعمل في إطارها، كما لا يمكن اختزالها في مجرد أداة دعائية.
فالدول الكبرى لا تبني نفوذها على القوة العسكرية وحدها، ولا على الاقتصاد وحده، ولا على الدبلوماسية وحدها، بل على منظومة متكاملة تضم مؤسسات الدولة، والسلطات الدستورية، ومراكز الدراسات، والجامعات، والبحث العلمي، والدوائر الاقتصادية، والصناعة الثقافية، وشركات التكنولوجيا، ووسائل الإعلام؛ لأن جميع هذه العناصر تشارك، بدرجات متفاوتة، في تشكيل البيئة التي تُصنع فيها القرارات.
ولهذا، فإن السؤال ليس: هل يوجد تأثير على وسائل الإعلام أم لا؟
فهذه صياغة مبسطة لواقع أكثر تعقيدًا.
أما السؤال الأقرب إلى المنهج العلمي فهو:
إلى أي مدى تتفاعل وسائل الإعلام مع المصالح الوطنية، والبيئة السياسية، ومصادر التمويل، والثقافة السائدة، ومراكز إنتاج المعرفة؟
وفي هذا السياق، قد يميل الخطاب الإعلامي أحيانًا إلى اختزال سياسات دولة كاملة في شخصية رئيسها، فيبدو وكأن جميع التحولات الكبرى تصدر عن إرادة فرد واحد.
غير أن الدول ذات المؤسسات الراسخة تُدار، عادةً، عبر منظومات معقدة من المؤسسات، والاختصاصات، وآليات صنع القرار، حيث تتفاعل الرؤى السياسية مع الاعتبارات الاقتصادية والأمنية والقانونية، وتتقاطع فيها مصالح متعددة قبل أن تتبلور في صورة قرار أو سياسة عامة.
ولا يعني ذلك التقليل من أثر القيادة السياسية؛ فالرئيس قد يترك بصمة واضحة في التوجهات الكبرى، لكنه يعمل داخل إطار مؤسسي أوسع يشارك في صياغة القرار، وتنفيذه، وتقويمه. ومن هنا، فإن اختزال المشهد في شخص واحد قد يحجب عن القارئ فهم البنية التي تتحرك من خلالها الدولة.
ولهذا، فإن فهم السياسة الدولية لا يكتمل بمتابعة التصريحات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى قراءة المؤسسات، ومراكز التفكير، والبيئة الاقتصادية، والتحالفات، والرأي العام؛ لأنها جميعًا تشكل السياق الذي تُتخذ في إطاره القرارات.
وفي عالم اليوم، لم تعد المنافسة بين الدول تقتصر على الاقتصاد، أو التكنولوجيا، أو القوة العسكرية، بل امتدت إلى صناعة الرواية.
فالرواية ليست مجرد تفسير للأحداث، بل قد تصبح جزءًا من الحدث نفسه.
ولهذا، لا تتحرك الجيوش وحدها في لحظات التحول الكبرى، ولا تتحدث البيانات الرسمية وحدها، بل تتحرك معها الصور، والخطابات، والرموز، والتغطيات الإعلامية، والتحليلات، وكل ما يسهم في تشكيل إدراك المجتمعات لما يجري.
وقد تتحول صورة واحدة إلى رسالة سياسية، أو إلى رسالة تماسك داخلي، أو إلى وسيلة تؤثر في اتجاهات الرأي العام داخل الدولة وخارجها.
وهنا يصبح الإعلام أكثر من ناقلٍ للخبر؛ بل يصبح أحد عناصر البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها السياسة.
ولذلك، فإن بناء التوازنات لا يعتمد على إدارة القوة العسكرية وحدها، بل يعتمد أيضًا على إدارة الإدراك العام.
فكما أن الجندي يتحرك في الميدان، تتحرك الفكرة في العقول.
وكما أن الجيوش ترسم حدود السيطرة، فإن السرديات ترسم حدود الإدراك.
ولهذا، فإن الدول التي تنجح في تقديم روايتها لا تكسب بالضرورة كل المعارك، لكنها تزيد من قدرتها على حماية مصالحها، وتعزيز حضورها، والتأثير في بيئتها الداخلية والخارجية.
ولا يعني ذلك أن وسائل الإعلام كلها تتحدث بصوت واحد، أو أنها تفقد استقلالها بالكامل؛ فالمشهد الإعلامي أكثر تنوعًا وتعقيدًا من هذه الصورة المبسطة.
لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن الإعلام أصبح جزءًا من البيئة التي تتفاعل فيها المصالح الوطنية، وأنه، بدرجات وأساليب مختلفة، يتأثر كما يؤثر.
ولهذا، فإن قراءة أي مادة إعلامية، أيًا كان مصدرها، تصبح أكثر عمقًا عندما تُقرأ في سياق المصالح، لا في إطار حسن النيات أو سوء النيات.
فالمصالح ليست تهمة، بل هي أحد القوانين الثابتة في العلاقات الدولية.
ولعل هذا هو الدرس الذي يستحق التأمل:
فالدول لا تبني توازناتها بالسلاح وحده…
بل تبنيها أيضًا بالمؤسسات، والاقتصاد، والمعرفة، والبحث العلمي، والثقافة، والإعلام، والقدرة على صياغة الرواية التي يفهم العالم من خلالها الحدث.
فمعركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان؛ لأن من ينجح في التأثير في إدراك المجتمعات يضيف إلى قوته بُعدًا آخر، قد يكون، في كثير من الأحيان، أكثر دوامًا من اثر السلاح نفسه
(موقع أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
