أسيمة حسن
كان هناك زمنٌ مضى… ليس لأنه كان أسهل، ولا لأن الناس كانوا يملكون أكثر، بل لأن القلوب كانت تعرف طريقها إلى بعضها دون ضجيج.
يومها، لم يكن الحب يطرق الأبواب بالكلمات، بل يتسلل من نوافذ الحياة الصغيرة؛ من التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد إلا بعدما تتحول إلى ذكرياتٍ لا تُنسى.
لم نكن نسمع كثيرًا كلمة “أحبك”… لكننا كنا نراها.
نراها في يد أمٍ تُعيد الغطاء إلى طفلها قبل أن يبرد، وفي أبٍ يعود من عناء يومه الطويل، فيُخفي تعبه كي لا يُثقل قلوب أبنائه، وفي جدةٍ تحفظ أسماء أحفادها في دعائها أكثر مما تحفظها في ذاكرتها.
كان الحب يُخبز مع رغيف الخبز الساخن، ويُسكب في كوب الشاي المنتظر، ويُطوى مع الثياب النظيفة، ويجلس صامتًا على طرف المائدة، يراقب الجميع حتى يشبعوا، ثم يمد يده إلى الطعام.
لم يكن أحد يتحدث كثيرًا عن الحب… لأن الجميع كان يعيشه.
وكانت البيوت، على بساطتها، عامرةً بشيء لا يُباع في الأسواق، ولا تصنعه الأموال؛ كانت عامرةً بالسكينة.
أما اليوم… فقد كثرت الكلمات، وقلّت الدلالات.
صرنا نتقن التعبير عن المشاعر أكثر من ممارستها، ونجيد نشر الحب أكثر من صناعته. كلماتٌ جميلة، وصورٌ أنيقة، ورسائل لا تنتهي… لكن كم قلبًا يشعر بالوحدة وسط كل هذا الضجيج؟
كم من أمٍ تنتظر زيارةً أطول من رسالة؟ وكم من أبٍ يتمنى جلسةً صادقة أكثر من منشورٍ يُكتب في يوم تكريمه؟ وكم من روحٍ لا تحتاج إلى قصيدة حب، بقدر حاجتها إلى كتفٍ يطمئنها، أو يدٍ تمتد إليها في تعب الطريق؟
لسنا بحاجة إلى أن نتوقف عن قول “أحبك”… فنحن أحوج ما نكون إلى الكلمة الطيبة. لكننا بحاجةٍ أكبر إلى أن نمنحها معناها الحقيقي.
أن تصبح “أحبك” موعدًا لا يُخلف، واحترامًا لا يتغير، وصبرًا عند الغضب، وحضورًا عند الغياب، ودعاءً في الخفاء، وتضحيةً لا يعلم بها إلا الله.
فالقلوب لا تتغذى على الحروف وحدها، بل على الأفعال التي تمنح الكلمات روحها.
وهنا يقف السؤال، ثقيلًا كحنين المساء:
أين نحن اليوم من ذلك الحب الذي كان يُقاس بصدق المواقف، لا بجمال العبارات؟
أين نحن من زمنٍ كانت فيه الأم تقول لابنها: “انتبه لنفسك”، وهي تعني: أنت قلبي… وكان الأب يضع آخر ما في جيبه في يد أبنائه وهو يقول: “دبّروا أموركم”، بينما كان يقصد: لو استطعتُ لأعطيتكم عمري كله؟
لقد رحل كثيرٌ ممن كانوا يتحدثون بلغة الأفعال، لكن أصواتهم ما زالت تسكن الأشياء.
كلما شممنا رائحة الخبز الساخن، تذكرنا أمًا.
وكلما رأينا بابًا يُفتح قبل أن نطرقه، تذكرنا أبًا.
وكلما اجتمعنا حول مائدةٍ قديمة، أدركنا أن أجمل ما فيها لم يكن الطعام، بل الذين كانوا يجلسون حولها.
رحم الله الوجوه التي علمتنا أن الحب ليس قصيدةً تُقال، بل عمرٌ يُعاش، وحفظ الله من بقي منهم، وأدام على بيوتنا دفء المحبة التي لا تصرخ، لكنها تبقى… حتى بعد أن يغيب أصحابها.
فبعض أنواع الحب لا تقول: “أحبك”… بل تقولها ألف مرة، وهي ترتب فوضاك، وتنتظرك، وتدعو لك، وتسامحك، وتختارك… كل يوم، بصمت
فالحب الحقيقي لا يعلو صوته، لكنه يترك أثرًا لا يمحوه الزمن
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

