بقلم المهندس محمود محمد صقر
ربما لا نستطيع أن نختار الزمن الذي نولد فيه، ولكننا نستطيع أن نختار الطريقة التي نقرأ بها هذا الزمن.
ولعل هذه الجملة تختصر الرحلة التي بدأت قبل أشهر، حين انطلقت سلسلة “أجيال تبني أملًا من تاريخ قريب”، ثم تلتها سلسلة “قراءة هادئة بين السطور”.لم تكن الغاية من تلك المقالات تسجيل الأحداث، ولا التعليق عليها، ولا الانشغال بضجيج الأخبار اليومية، بل كانت محاولةً للبحث عما يختبئ خلفها؛ عن الخيط الذي يصل الماضي بالحاضر، ويكشف كيف تتحرك المصالح، وكيف تتشكل موازين القوى، وكيف يصبح الخبر، إذا قُرئ في سياقه، نافذةً لفهم مرحلة كاملة.
ومع كل حلقة، كان يتأكد لي أن القضية ليست في كثرة الأخبار، وإنما في طريقة قراءتها. فالأخبار تتبدل كل يوم، أما المنهج الذي يقرأها فيبقى. والوقائع تتغير، أما القدرة على فهمها فهي التي تمنح الإنسان ثباته وسط المتغيرات.
ليس أخطر ما يواجه الإنسان أن يعيش زمنًا مضطربًا، بل أن يعيشه دون بوصلة.
وكل عصرٍ يورث أبناءه شيئًا يبقى بعده؛ فمن العصور ما يورثهم عمرانًا، ومنها ما يورثهم علمًا، ومنها ما يورثهم جراحًا. غير أن أخطر ما يمكن أن يورثه عصرٌ لأبنائه هو الخوف؛ لأن الخوف لا يهدم المدن، بل يهدم القدرة على التفكير فيها، ولا يطفئ الأنوار، بل يطفئ الثقة التي يهتدي بها الإنسان وهو يسير نحو المستقبل.
وحين يصبح الخوف ميراثًا، يصبح بناء المنهج مسؤولية. فالإنسان الذي يعرف كيف يقرأ لا يتوقف عن الحذر، لكنه يتحرر من الذعر. ولا يتوقف عن طرح الأسئلة، لكنه لا يصبح أسيرًا لكل سؤال، ولا أسيرًا لكل عنوان عاجل.
ومن هنا جاءت هذه المقالات .
ليست رحلةً للبحث عن نبوءات، ولا محاولةً لادعاء معرفة الغيب، فالغيب لله وحده. وليست دعوةً إلى تبني رأي بعينه، وإنما دعوةٌ إلى امتلاك أداة؛ أداةٍ ترى ما وراء الحدث، وتضع الخبر في سياقه، وتربط الجزئيات بالصورة الكبرى، حتى يصبح التاريخ معينًا لفهم الحاضر، وتصبح الجغرافيا مفتاحًا لقراءة السياسة، وتتحول الأحداث المتفرقة إلى لوحة يمكن للعقل أن يتأملها بدلًا من أن يطارد تفاصيلها.
فإذا وجدت في هذه المقالات سؤالًا جديدًا، فلا تتعجل الجواب.
وإذا وجدت رأيًا يخالف ما اعتدت عليه، فلا تتعجل رفضه.
وإذا وجدت فكرةً تدعوك إلى إعادة النظر فيما كنت تظنه يقينًا، فذلك ليس ضعفًا، بل بداية معرفة جديدة.
فالكتب والروايات لا تغيّران العالم لأنها تقدم الأجوبة، بل لأنها تعلّم الإنسان كيف يبحث عنها.
ولذلك، فإن هذه المقالات (الصفحات )لا تُكتب لتخبر الأجيال ماذا سيحدث، بل لتساعدها على أن تقرأ ما يحدث.
فحين تتعلم الأمم القراءة، تحسن الاختيار.
وحين تحسن الاختيار، تبني شراعها قبل أن تهب الرياح.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

