د. سلمان ريا
في لحظات التحوّل الكبرى، لا يكون السؤال الأصعب هو كيف يسقط النظام القديم، بل كيف تُبنى الدولة التي تأتي بعده. فالتاريخ مليء بثورات وانتقالات سياسية نجحت في إنهاء مرحلة، لكنها فشلت في تأسيس مرحلة جديدة، لأن إسقاط السلطة أسهل من بناء الشرعية، وتغيير الأشخاص أسهل من تغيير قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
من هنا، تكتسب البرلمانات التي تولد بعد التحولات السياسية أهمية استثنائية؛ فهي ليست مجرد مؤسسات تشريعية، ولا مجرد مجالس تدير مرحلة مؤقتة، بل هي الأماكن التي يُفترض أن تُصاغ فيها القواعد الأولى للدولة الجديدة.
وهذا هو السؤال الذي يواجه مجلس الشعب السوري في المرحلة الانتقالية: هل سيكون مجرد انعكاس لموازين القوى التي أنتجت المرحلة الحالية، أم سيكون مساحة وطنية لصناعة توافق تاريخي بين السوريين؟
تقول التجارب الدولية إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي برلمان انتقالي هو أن يتحول إلى مرآة للمنتصرين فقط. فالبرلمان الذي يولد بعد صراع طويل لا يستطيع أن ينجح إذا اكتفى بتمثيل الطرف الأقوى، لأن مهمته التاريخية ليست تثبيت نتيجة الصراع، بل معالجة آثاره.
في التجارب الناجحة، لم تكن البرلمانات الانتقالية أدوات لتسجيل الانتصار، بل ساحات لإعادة تعريف الدولة. ففي جنوب أفريقيا، مثلاً، لم يكن الهدف بناء نظام يحل محل نظام آخر فقط، بل بناء دولة تستوعب الجميع بعد عقود من الانقسام. وفي تجارب أخرى، أدى غياب هذا المنطق إلى تحول المؤسسات الجديدة إلى أماكن تعيد إنتاج الانقسامات القديمة.
وهنا يكمن الدرس الأهم بالنسبة لسوريا: التمثيل الاجتماعي ضرورة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تكريس للهويات المتصارعة. فوجود ممثلين عن مختلف شرائح المجتمع أمر أساسي، لأن الدولة لا تُبنى بإقصاء مكوناتها، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح البرلمان مكاناً لتثبيت الانقسامات بدلاً من تجاوزها.
فالبرلمان الناجح لا يجمع الجماعات فقط، بل يصنع مساحة مشتركة بينها.
إن المرحلة الانتقالية لا تحتاج إلى برلمان ينهي مهمته بمجرد إصدار القوانين، بل إلى مدرسة سياسية تتعلم فيها القوى الاجتماعية قواعد العمل العام. فالمجتمعات التي خرجت بعد عقود من ضعف الحياة السياسية تحتاج إلى مؤسسات تعلمها كيف تختلف، وكيف تنظم مصالحها، وكيف تحول مطالبها الفردية إلى رؤى عامة قابلة للنقاش.
ولهذا، فإن أحد الاختبارات الأساسية أمام البرلمان السوري سيكون وضع الإطار القانوني الذي يسمح بقيام حياة سياسية حقيقية، من خلال قوانين تنظم إنشاء الأحزاب والعمل السياسي وحرية التنظيم والتعبير. فبدون أحزاب ومؤسسات سياسية، يبقى المجتمع مجموعة أفراد متفرقين، لا يملكون القدرة على إنتاج رؤى جماعية أو تشكيل رأي عام مؤثر.
فالديمقراطية لا تقوم فقط على وجود برلمان، بل على وجود مجتمع سياسي يستطيع أن يستخدم هذا البرلمان.
كما أن شرعية البرلمان لا تأتي فقط من طريقة انتخاب أعضائه أو آلية تشكيله، بل من قدرته على التعامل مع حياة الناس اليومية، وعلى إنتاج سياسات عامة فعالة. فالمواطن لا يقيس المؤسسات السياسية فقط من خلال شرعيتها القانونية، بل من خلال قدرتها على تحسين واقعه، وحل مشكلاته، وحماية حقوقه.
وهنا يظهر جوهر العلاقة بين القانون والسياسة؛ فالقوانين ليست مجرد نصوص تنظيمية، بل هي التعبير العملي عن طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وكل دولة تُعرّف في النهاية بالقواعد التي تحدد حدود السلطة وحقوق المواطن.
ولهذا، لم تكن فكرة العدل والمساواة بين البشر فكرة حديثة مرتبطة فقط بالتجارب السياسية المعاصرة، بل كانت حاضرة في جوهر الرسالات الدينية والفكر الإنساني. فالقرآن الكريم يخاطب الإنسان بوصفه إنساناً قبل أي انتماء آخر:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”.
فالخطاب هنا ليس لفئة دون أخرى، بل للبشر جميعاً، ويؤسس لمبدأ أساسي: قيمة الإنسان لا تأتي من أصله أو جماعته أو انتمائه، بل من عمله وأخلاقه ومسؤوليته.
وفي التجربة السياسية الإسلامية المبكرة، عبّر أبو بكر الصديق في خطابه عند توليه الخلافة عن مفهوم قريب من فكرة السلطة المسؤولة عندما قال: «إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني». وهي عبارة تختصر مبدأ مهماً في الحكم: السلطة ليست امتيازاً شخصياً، بل أمانة تخضع للمساءلة.
إن هذه المبادئ، بعيداً عن اختلاف المرجعيات السياسية حولها، تلتقي عند فكرة مركزية: الدولة العادلة تقوم على علاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع، لا على هيمنة طرف على آخر.
ولهذا، فإن مستقبل البرلمان السوري لن يتحدد فقط بتركيبته الحالية، بل بمدى قدرته على ترسيخ ثقافة سياسية جديدة: ثقافة المواطنة قبل الانتماءات الفرعية، والقانون قبل القوة، والمساءلة قبل الطاعة.
فالبرلمانات الانتقالية في التاريخ لا تكون مجرد مرحلة بين نظامين، بل لحظة تأسيس؛ إما أن تفتح الطريق أمام دولة يشعر مواطنوها أنهم شركاء فيها، أو تتحول إلى محطة أخرى في دورة الصراع.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام مجلس الشعب السوري ليس فقط: من يمثل؟
بل: أي سوريا يريد أن يساعد على بنائها
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

