أسيمة حسن
ثمة فنانون يمكن قراءة سيرتهم من خلال تواريخ الميلاد، والحفلات، والجوائز. وثمة فنانون لا تُقرأ سيرتهم إلا إذا قرأنا الجغرافيا التي أنجبتهم أولًا. وصفوان بهلوان ينتمي إلى الفئة الثانية؛ لأن مفتاح فهمه ليس في المعهد الموسيقي الذي درس فيه، ولا في برلين التي عزفت أعماله، ولا في القاهرة التي احتفت بصوته، بل في تلك الجزيرة السورية الصغيرة التي تبدو على الخريطة نقطةً في البحر، بينما تبدو في التاريخ قارةً كاملة: جزيرة أرواد.
من الصعب أن نفهم موسيقى صفوان بهلوان إذا نسينا أنه ابن جزيرة. فالجزيرة ليست مكانًا فحسب، بل طريقة في رؤية العالم. ومن يولد محاطًا بالماء من الجهات الأربع، لا يمكن أن يكون إيقاعه الداخلي شبيهًا بإيقاع أبناء اليابسة. فالبحر لا يمنح أبناءه الاستقرار، بل يمنحهم الحركة، ولا يعلمهم الثبات، بل التوازن فوق الموج.
لهذا تبدو موسيقى صفوان بهلوان وكأنها تكتب قانونها الخاص بين المد والجزر؛ تارةً هادئة شفافة كصباحات أرواد، وتارةً عاصفة تتدفق كأمواج الشتاء التي عرفها صيادو الجزيرة منذ آلاف السنين.
وليس من قبيل المصادفة أن يؤلف عملًا يحمل اسم “الربان والعاصفة”. فالعنوان وحده يكشف أن البحر عنده ليس موضوعًا شعريًا، بل قدرًا وجوديًا. والربان ليس بطلًا أسطوريًا، وإنما صورة أخرى للفنان نفسه؛ ذلك الإنسان الذي يقود سفينته بين أمواج الحياة، من دون أن يساوم على وجهته.
*البحر… المؤلف الخفي
حين يتحدث صفوان بهلوان عن البحر، لا يتحدث عنه بوصفه منظرًا طبيعيًا، بل باعتباره معلمه الأول.
لقد قال إن البحر أعطاه الكثير، وأخذ منه الكثير، وأفقده أحبةً وأصدقاء، لكنه، في الوقت نفسه، ألهمه الحب والخير والعطاء. وهذه العبارة وحدها تكفي لفهم فلسفته الموسيقية.
فالموسيقى عنده ليست زخرفةً صوتية، وإنما محاولة دائمة لتحويل التجربة الإنسانية إلى صورة سمعية. ولعل هذه إحدى أبرز خصائص مشروعه الفني؛ فهو لا يضع لحنًا للنص، بل يبحث عن معادله الموسيقي.
وهنا تكمن المسافة بين الملحن التقليدي والمؤلف الحقيقي؛ فالملحن يرافق الكلمات، أما المؤلف فيخلق لها عالمًا موازيًا. ولهذا تبدو مقدماته الأوركسترالية وكأنها ترسم اللوحة قبل أن ينطق الشاعر بكلماته. إنها موسيقى تُرى قبل أن تُسمع.
*ابن أرواد… امتداد لمملكة عبرت البحار
العالمية التي وصل إليها صفوان بهلوان ليست حدثًا طارئًا في تاريخ الجزيرة، بل لعلها امتداد طبيعي لتاريخ أرواد نفسها.
فهذه الجزيرة الصغيرة، التي لا تتجاوز مساحتها بضعة هكتارات، كانت يومًا مملكةً بحرية نافست القوى الكبرى في شرق المتوسط. ومنها خرج البحارة والتجار، وانطلقت السفن التي عبرت المتوسط، حاملة الأخشاب والزجاج والأرجوان والحضارة.
كان أجداده يغزون العالم بالسفن، أما هو فقد غزاه بالنغم. اختلفت الوسيلة، وبقيت الروح واحدة. وكما لم تستطع حدود البحر أن تمنع أسلافه من الوصول إلى العالم، لم تستطع حدود الجغرافيا أن تمنع موسيقاه من الوصول إلى برلين والقاهرة ودمشق وتونس ودول الخليج.
ولهذا تبدو عالميته نتيجةً منطقية أكثر منها مفاجأة؛ فهي امتداد لذاكرة حضارية، أكثر منها ثمرة صدفة فنية.
*السوري الذي حمل وطنه إلى الأوركسترا
في زمن أصبح فيه كثير من الفنانين يهربون من هويتهم المحلية بحثًا عن الاعتراف العالمي، فعل صفوان بهلوان العكس تمامًا.
ذهب إلى الغرب، لكنه لم يذهب حاملًا موسيقاه الغربية، بل حمل معه الشرق. درس الموسيقى الغربية بعمق، لكنه لم يجعلها بديلًا عن الموسيقى العربية، وإنما وضعها في خدمتها.
وهذه نقطة تستحق التأمل؛ فالفرق كبير بين من يقلد الغرب ومن يحاوره. وصفوان بهلوان لم يترجم الشرق إلى لغة غربية، بل جعل الغرب يصغي إلى لغة الشرق.
ولعل عزف أوركسترا برلين لأعماله ليس تكريمًا لشخصه فحسب، بل اعتراف بإمكان أن تدخل الموسيقى العربية فضاء السيمفونيات من دون أن تفقد هويتها. إنه لم يصل إلى العالمية متخففًا من سوريته، بل بلغها محملًا بها.
*عبد الوهاب… المدرسة التي لم تتحول إلى قيد
ارتبط اسم صفوان بهلوان بمحمد عبد الوهاب، حتى لقبته الصحافة الفرنسية بـ”عبد الوهاب سوريا”. لكن القراءة السطحية قد تجعل هذا اللقب اختزالًا لا ينصف تجربته.
صحيح أن بهلوان من أبرز من أعادوا إحياء تراث عبد الوهاب، إلا أن مشروعه الحقيقي لا يقف عند حدود إعادة الغناء. فهو يقرأ عبد الوهاب بوصفه منهجًا في التفكير الموسيقي، لا مجرد مجموعة من الألحان.
ولهذا استطاع أن يتجاوز التقليد إلى بناء مشروعه الخاص؛ فهو يستلهم الأستاذ، لكنه لا يعيش في ظله، وتلك معادلة نادرة في الفن.
*مشروع موسيقي أكبر من الأغنية
حين يتحدث صفوان بهلوان عن “أوغاريت” أو “أذان إبراهيم”، ندرك أننا أمام مؤلف يفكر بمشاريع حضارية، لا بأغانٍ منفردة.
إنه يحاول إعادة قراءة التاريخ العربي والإسلامي بالموسيقى. وهذه ليست مغامرة جمالية فحسب، بل مشروع ثقافي متكامل، يريد للموسيقى أن تكون أداةً للتفكير، لا مجرد وسيلة للطرب.
ولهذا جاءت عبارته الأهم:
“رسالة الفنان أن يرفع الجمهور ويخاطب فيه الملكات العليا.”
هذه ليست عبارة دعائية، بل مفتاح لفهم مشروعه كله.
*السؤال السوري المؤجل
ورغم كل هذا الامتداد العربي والعالمي، يبقى السؤال الأكثر إيلامًا:
لماذا لم تنل تجربة صفوان بهلوان حضورًا يوازي قيمتها على المسارح السورية؟
هذا سؤال مشروع، لكنه يحتاج إلى معالجة متوازنة. فمن الصعب اختزال الأمر في سبب واحد، أو الجزم بأن جهة بعينها تعمدت إقصاء هذه التجربة من دون أدلة واضحة. فالحياة الثقافية في سوريا، ولا سيما خلال العقود الأخيرة، تأثرت بعوامل كثيرة؛ من التحولات المؤسسية، إلى الأزمات السياسية والاقتصادية، وصولًا إلى سنوات الحرب التي أصابت البنية الثقافية والفنية بضرر بالغ.
ومع ذلك، يبقى التساؤل قائمًا: كيف يمكن لموسيقار قدّم أعمالًا أوركسترالية، وعُزفت مؤلفاته خارج بلده، وحظي بتقدير في عواصم عربية وعالمية، ألا يحظى داخل وطنه بالحضور الذي يتناسب مع حجم مشروعه؟
إن المسألة هنا لا تتعلق بشخص صفوان بهلوان وحده، بل بكيفية احتضان المشاريع الموسيقية الكبرى التي تتطلب رؤية ثقافية طويلة المدى؛ وهي مشاريع تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وأوركسترات، ومسارح، واستثمار مستمر في الفنون.
*خارج النص
صفوان بهلوان ليس مجرد مطرب جميل الصوت، ولا مجرد عازف عود بارع، ولا حتى مؤلف سيمفوني متميز؛ إنه حالة ثقافية سورية متكاملة.
هو ابن أرواد الذي حمل البحر في صوته، وحمل سوريا في موسيقاه، وحمل الشرق إلى الأوركسترا من دون أن يفقد رائحة الملح أو دفء المرافئ القديمة.
وفي زمن تختلط فيه الضوضاء بالموسيقى، يذكّرنا صفوان بهلوان بأن الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الأغنيات المنتشرة، بل بقدرته على البقاء. وكما بقيت أرواد، تلك الجزيرة الصغيرة، حاضرةً في ذاكرة التاريخ لأنها صنعت أثرًا أكبر من مساحتها، يبدو صفوان بهلوان امتدادًا لذلك المعنى نفسه: فنان خرج من أصغر الجزر، لكنه كتب اسمه في فضاء أوسع من الحدود، وظل يؤمن بأن الموسيقى ليست ترفًا، بل إحدى اللغات التي تحفظ ذاكرة الأوطان، وتمنحها القدرة على مخاطبة العالم






(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

