عبد اللطيف شعبان
سبق أن قررت الحكومة منح زيادات جيدة على الرواتب شملت جميع العاملين على رأس عملهم في الإدارات العامة للدولة. ولا يزال الأثر الإيجابي لهذه الزيادات قائمًا، رغم ما سبقها وما تلاها من ارتفاعات في الأسعار، نظرًا لحجمها الكبير مقارنة بما شهدته العقود الماضية من زيادات محدودة.
كما تلت تلك الزيادات وعودٌ بإقرار زيادات نوعية جديدة، وقد شهدت الأيام الأخيرة تنفيذ جانب من هذه الوعود عبر صدور عدد من القرارات المالية المتضمنة زيادات إضافية، أثلجت صدور عشرات الآلاف من العاملين في الجهات العامة، ولا سيما المستفيدين منها في قطاعات العدل والصحة والتعليم.
وما من منصف إلا ويسجل ذلك إنجازًا للحكومة، ومن المجحف إنكار هذه الخطوات أو التقليل من أهميتها.
لكن من واجب المنصفين الذين أشادوا بهذه الإنجازات أن يكونوا أيضًا السبّاقين إلى التذكير والمطالبة بضرورة النظر في أوضاع مئات الآلاف من العاملين الذين لم تشملهم الزيادات السابقة ولا الحالية، أولئك الذين توقفت رواتبهم بالكامل، رغم أنهم كانوا على رأس عملهم يوم سقوط النظام السابق في 8/12/2024.
فهؤلاء لم يتقاضوا أي راتب منذ أكثر من عام ونصف العام، الأمر الذي جعلهم يعيشون أوضاعًا معيشية شديدة الصعوبة. ومن هنا، فإن الإنصاف يقتضي تسليط الضوء على معاناتهم، تمامًا كما يقتضي الإشادة بما تحقق للشرائح الأخرى من مكاسب.
السيد رئيس الجمهورية، السادة في الحكومة، السيد وزير المالية:
لا يخفى عليكم أن هؤلاء من المواطنين السوريين والعاملين الرسميين في مؤسسات الدولة المختلفة، وأن أغلبهم موظفون مثبتون في وظائفهم، وليسوا من العاملين بعقود مؤقتة. وقد جرى تعيينهم وفق الأصول القانونية، وباشروا أعمالهم استنادًا إلى تشريعات نافذة ما يزال بعضها معمولًا به حتى اليوم، وأدّوا المهام الموكلة إليهم خلال سنوات خدمتهم.
وكان الراتب بالنسبة إلى معظمهم مصدر الدخل الأساسي، وربما الوحيد، لإعالة أسرهم. ومن هنا، فإن من حقهم معرفة وضعهم الوظيفي بشكل واضح وصريح، سواء من خلال إعادتهم إلى أعمالهم كلٌّ ضمن مؤسسته، أو تسوية أوضاعهم القانونية والإدارية وفق ما يقتضيه القانون.
وإذا اقتضت المصلحة العامة فصل بعضهم لأسباب قانونية مبررة، فإن ذلك لا ينبغي أن يحرمهم من حقوقهم المالية المكتسبة، سواء ما يتعلق بالرواتب المستحقة عن الفترات السابقة، أو بالتعويضات والحقوق التقاعدية الناجمة عن سنوات خدمتهم، والتي اقتُطعت من رواتبهم اشتراكاتٌ لقاءها على مدى سنوات طويلة.
إن معاناتهم اليوم ليست مجرد أرقام أو ملفات إدارية، بل هي معاناة إنسانية تمس عشرات آلاف الأسر السورية في مختلف المحافظات والمدن والقرى. ويعبّر أحد هؤلاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلًا:
“أصبح لنا سنة وسبعة أشهر بلا راتب، ووضعنا المعيشي بالغ الصعوبة. ومن حقنا أن نعرف: هل نحن مفصولون أم ما زال لنا وضع وظيفي قائم؟ لديّ ثلاثون سنة خدمة، ألا أستحق راتبًا تقاعديًا؟ أتمنى فقط أن أعرف.”
وإذا كانت الدولة قد أعادت الكثيرين إلى أعمالهم بعد فصلهم، وتواصل العمل على إعادة آخرين، كما تعمل على معالجة أوضاع شرائح مختلفة من المتقاعدين والعاملين، فإن الأمل يبقى قائمًا في أن تشمل المعالجات القادمة هذه الفئة أيضًا.
وقد أكد السيد أحمد الشرع، رئيس الجمهورية العربية السورية، أن:
“تطوير منظومة الأجور والرواتب مستمر بما يضمن حياة كريمة للمواطنين، عاملين ومتقاعدين، وذلك ضمن مسار إصلاحي تدريجي ومتصاعد يوازن بين الواقع والمأمول.”
وهذه الرؤية، بصيغتها العامة، تشمل جميع المواطنين دون استثناء أو تمييز.
ومن خلال متابعة الإجراءات الحكومية والتصريحات الرسمية، يبدو من المشروع التفاؤل بأن المرحلة المقبلة قد تشهد معالجة أوضاع أصحاب الرواتب المتوقفة، مع التأكيد على ضرورة تطبيق القانون بحق من يثبت ارتكابه أي مخالفة أو جرم، استنادًا إلى المبدأ الشرعي والقانوني القائل: “ولا تزر وازرة وزر أخرى”
كما أن منح المواطنين حقوقهم القانونية والإدارية، بما في ذلك تسوية أوضاعهم الوظيفية وتمكينهم من الحصول على وثائقهم وهوياتهم الوطنية، ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون التي تشكل أساس بناء الدولة الحديثة.
وإذا كانت الحكومة الحالية تعمل على إعادة من فُصلوا سابقًا بسبب مواقفهم السياسية أو وقوفهم مع الثورة، فإن العدالة تقتضي كذلك عدم الوقوع في أخطاء مماثلة بحق أي مواطن آخر، أياً كانت الظروف.
وفي المأثور: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”كما قال تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين”
إن معالجة ملف الرواتب المتوقفة لمن كان في إدارات ومؤسسات مدنية أو عسكرية لم تعد مجرد قضية مالية، بل أصبحت قضية اجتماعية وإنسانية ووطنية تستحق الاهتمام، بما يضمن العدالة لجميع المواطنين ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة
الكاتب:عضو جمعية العلوم الاقتصادية وعضو اتحاد الصحفيين
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

