د. سلمان ريا
كشفت الأزمة السورية عن وفرة في الأصوات الثقافية والفكرية، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن حاجة أشد إلحاحاً إلى رجال دولة يمتلكون القدرة على تحويل التضحيات الوطنية إلى مشروع جامع للمستقبل. فالأوطان لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بالرؤى التي تجعل مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، وتحوّل الدم المهدور إلى منجز سياسي يعزز وحدة المجتمع ويصون كرامته.
ولا يزال جزء كبير من الجدل السياسي يدور في حلقة مفرغة بسبب غموض المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الحياة العامة. فما زال الخلط قائماً بين الدولة والسلطة، وبين الأمة والشعب، وبين القومية والمواطنة، وبين الهوية والانتماء. وعندما تضطرب المفاهيم، تضطرب معها السياسات، وتصبح الشعارات بديلاً عن التفكير، والانفعالات بديلاً عن الرؤية.
لقد أدى ضعف الإنتاج الفكري والسياسي المحلي إلى فتح المجال أمام هيمنة نماذج ثقافية مستوردة جرى تقديمها باعتبارها حقائق كونية نهائية. ومع مرور الزمن، لم تعد المشكلة في تأثير هذه النماذج فحسب، بل في تبنيها بصورة غير نقدية، حتى بات كثيرون يقيسون واقعهم ومعايير تقدمهم وفق نماذج خارجية لا تنطلق بالضرورة من شروطهم التاريخية والاجتماعية الخاصة.
غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالغرب أو بغيره، بل يتعلق بنا نحن: كيف نبني هوية وطنية قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى مصدر قوة بدل أن يكون سبباً للانقسام؟
هنا تبرز العلاقة المعقدة بين التاريخ والجغرافيا في تشكيل الهوية الوطنية. فحين تُقدَّم الهويات بوصفها معطيات مكتملة مستمدة من روايات تاريخية متنافسة، يتحول التاريخ إلى ساحة صراع لا تنتهي، حيث تتنازع الجماعات على الأسبقية والأحقية والشرعية. أما عندما يُنظر إلى الوطن بوصفه فضاءً جغرافياً مشتركاً يجمع أبناءه في حاضر واحد ومستقبل واحد، فإن التنوع يتحول من عامل تنافر إلى عامل إثراء، ومن مصدر انقسام إلى عنصر تكامل.
فالتاريخ يحمل في طياته أمجاداً وصراعات، انتصارات وهزائم، ذاكرة مشتركة وجراحاً متوارثة. ولذلك فإن الإفراط في استدعائه قد يحول الماضي إلى سجن للحاضر. أما الجغرافيا فهي الواقع الحي الذي يلتقي فيه الجميع، وهي الأرض التي تفرض التعايش والتفاعل والتعاون بصرف النظر عن اختلاف الأصول والروايات والانتماءات الفرعية.
إن الأمم الحية لا تُبنى على اجترار الخصومات القديمة، بل على القدرة على إنتاج مشروع وطني مشترك. فالهويات المنغلقة على سردياتها الخاصة تبقى أسيرة الماضي، بينما الهوية الوطنية القادرة على التطور هي تلك التي تنمو من التفاعل المستمر بين مكونات المجتمع داخل فضائه الجغرافي المشترك، فتكتسب مع الزمن مضموناً حضارياً وإنسانياً أوسع.
ومن هنا تصبح المهمة الأساسية هي تعزيز الروابط الوطنية العابرة للانقسامات التقليدية، وترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه أساس العلاقة بين الفرد والدولة. فالمواطن يجب أن يشعر بأن حقوقه مصونة وواجباته متساوية مع غيره، وأن انتماءه للمؤسسات الوطنية يمنحه الكرامة والفرصة والمشاركة، لا أن يبقى أسيراً لولاءات ما قبل الدولة.
إن بناء الهوية الوطنية ليس عملية استدعاء للماضي بقدر ما هو عملية صناعة للمستقبل. فالأوطان القوية لا تقوم على وحدة الذاكرة فقط، بل على وحدة المصير أيضاً. وعندما يصبح الوطن إطاراً جامعاً لجميع أبنائه، تتحول الاختلافات من أسباب للنزاع إلى مصادر للغنى، ويغدو التنوع رافعةً للوحدة لا تهديداً لها.
فالمشكلة ليست في المصطلحات ذاتها، بل في المضامين التي نحملها إليها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة إنتاج مفاهيم الدولة والمواطنة والهوية والعدالة بما ينسجم مع حاجات المجتمع المعاصر، ويحرره من أسر الماضي دون أن يقطع صلته به، ويفتح أمامه أفقاً جديداً تتقدم فيه الدولة بوصفها بيتاً مشتركاً لجميع مواطنيها، لا ساحةً لصراع الهويات المتنافسة.
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
