آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (2) ..كيف تتحول المعاني إلى قرار؟

باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (2) ..كيف تتحول المعاني إلى قرار؟

 

 

بقلم: متعلِّم مع قارئه

المهندس محمود محمد صقر

 

 

انتهينا في حديثنا السابق إلى سؤالٍ ظل يرافقني طويلًا:

 

ما الذي لم يُدمَّر؟

 

ورأينا أن المجتمعات لا تنهض لأنها احتفظت بحجرها، بل لأنها احتفظت بما هو أبقى من الحجر.

 

لكن يبقى سؤالٌ آخر:

 

إذا بقيت المعاني حيّة، فلماذا لا تتحول دائمًا إلى نهضة؟

 

لقد أكثر الناس من الحديث عن العلم، والأخلاق، والتربية، والإيمان، والعمل، حتى أصبحت هذه المعاني من أكثر ما يُقال، وأقلَّ ما يُمارس.

 

ولعل المشكلة ليست في غياب الفضائل، بل في غياب الطريق الذي يحولها إلى واقع.

 

فالحضارة لا تبدأ حين نؤمن بالقيم، بل حين تتحول القيم إلى طريقةٍ في التفكير، ثم إلى منهجٍ في العمل، ثم إلى مؤسسات، ثم إلى قرارات.

 

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:

 

كيف نبني ثقافة اتخاذ القرار؟

 

لا تُبنى الحضارة بقفزاتٍ مفاجئة، بل بسلسلةٍ طويلة من القرارات، يكون كل واحدٍ منها أفضل قليلًا مما سبقه، ويترك لمن بعده نقطةَ بدايةٍ أكثر تقدمًا.

 

ولهذا لا ينبغي أن يبدأ القرار برأي شخص، مهما بلغت خبرته، بل بمنهجٍ يبدأ بفهم الواقع، وجمع البيانات، والاستماع إلى التخصصات المختلفة، وموازنة البدائل، ثم اختيار أفضل ما تسمح به الظروف.

 

ولا ينتهي القرار عند التنفيذ، بل يبدأ بعده امتحانه الحقيقي، بقياس نتائجه، والاعتراف بأخطائه، واستخلاص دروسه، حتى يصبح القرار التالي أكثر نضجًا من سابقه.

 

ومن هنا تتكشف مشكلة كثير من مؤسساتنا.

 

ليست المشكلة في قلة الكفاءات، بل في غياب المنهج الذي يجمعها.

 

قد نجمع مهندسًا بارعًا، واقتصاديًا متميزًا، وإداريًا خبيرًا، لكن اجتماع الأشخاص لا يصنع فريقًا، كما أن اجتماع الحجارة لا يصنع مدينة.

 

الفريق يولد عندما تتوحد الرؤية، وتتشارك المعرفة، ويخضع الجميع لمنهجٍ واحد في التفكير واتخاذ القرار.

 

فالمدينة ليست طرقًا، ولا أبنية، ولا خدماتٍ متجاورة، بل منظومةٌ يؤثر كل جزءٍ فيها في الآخر، ولذلك لا يكون القرار الناجح قرارًا فنيًا فحسب، بل قرارًا يوازن بين الواقع، والإمكانات، والمستقبل.

 

وليس المطلوب أن نصل إلى القرار الكامل؛ فالكمال لا تعرفه أعمال البشر.

 

المطلوب أن يكون القرار القادم أفضل من القرار السابق.

 

هناك تبدأ الحضارة.

 

لا عندما نتوقف عن الخطأ، بل عندما نتوقف عن تكراره.

 

ولا عندما نبني أكثر، بل عندما نتعلم أكثر.

 

فالحضارة ليست ما يبنيه المجتمع من حجر، وإنما ما يبنيه من عقلٍ يتعلم، ومؤسسةٍ تتذكر، وقرارٍ يُتخذ ليصبح في كل مرةٍ أكثر حكمةً من سابقه.

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“هرمز”.. من عبور القوافل إلى صراع الأساطيل..!!

مالك صقور       يعود اسم (هرمز) إلى مملكة هرمز التاريخية التي ازدهرت في العصور الوسطى، ولا سيما بعد انتقال عاصمة هذه المملكة إلى ...