ياسر خليل
يشهد التقارب العسكري بين مصر وتركيا زخماً متزايداً في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، ما يدفع مراقبين إلى اعتباره أكثر من مجرد تحسن في العلاقات الثنائية بين القاهرة وأنقرة. وتبرز أهمية هذا المسار أيضاً من التباين الواضح بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، إذ تنظر واشنطن بإيجابية حذرة إلى تقارب حليفين استراتيجيين، فيما تبدي تل أبيب قلقاً متزايداً من تداعياته المحتملة على توازنات المنطقة.
عوامل سرّعت التقارب
يرى المدير التنفيذي لـ”المركز العربي للبحوث والدراسات” الدكتور هاني سليمان أن تسارع التقارب بين مصر وتركيا جاء في توقيت إقليمي شديد الحساسية.
ويقول سليمان لـ”النهار”: “تزامن التقارب بين الدولتين مع نشوب حرب غزة، وتزايد أهمية البحر الأحمر والقرن الأفريقي كمسرح رئيسي للتنافس الدولي والإقليمي، وفي ظل تداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران”.
ويضيف: “من منظور استراتيجي، أدرك البلدان أن كلفة استمرار التنافس بينهما أصبحت أعلى من مكاسب التعاون، ما دفعهما إلى تبني سياسة إدارة المصالح بدلاً من إدارة الصراعات”.
وبالنسبة إلى التعاون في الملف الليبي، يشير المحلل السياسي المصري إلى أنه “ناتج من قناعة بأن استمرار الانقسام الليبي يهدد مصالح الدولتين معاً، وثمة حاجة إلى ترتيبات مشتركة تحقق استقراراً حقيقياً وانتقالاً سياسياً آمناً”. أما في الصومال والقرن الأفريقي، فيرى أن “التعاون يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الممرات البحرية”.
ويلفت سليمان إلى أن “القاهرة تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، فيما تعتبر أنقرة القرن الأفريقي أحد أهم مجالات نفوذها الخارجية خلال العقد الأخير. وبالتالي، فإن التنسيق بينهما يهدف إلى إيجاد مساحات للعمل المشترك في مجالات التدريب العسكري وبناء القدرات الأمنية والاستثمارات والبنية التحتية”.
تقارب يعكس التحوّلات الكبرى
وينظر الباحث الأكاديمي التركي الدكتور بكير أتاجان إلى المشهد الحالي باعتباره “مؤشراً إلى أن المنطقة قد تكون بصدد الانتقال من مرحلة الاعتماد شبه الكامل على التوازنات الخارجية إلى مرحلة تسعى فيها القوى الإقليمية الكبرى إلى بناء منظومات تعاون وتوازن ذاتية”.
ويقول الخبير بسياسات الشرق الأوسط لـ”النهار”: “من المرجح أن يكون هذا المسار قائماً على اعتبارات جيوسياسية وبراغماتية. إنه محاولة لإنشاء مركز ثقل إقليمي قادر على حماية المصالح المشتركة وإدارة الأزمات وتعزيز الاستقرار في بيئة دولية تتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية”.
ويرى أتاجان أنه إذا استمر التقارب بين تركيا ومصر، إضافة إلى السعودية وتركيا، خلال السنوات المقبلة، فقد نشهد “ولادة إطار إقليمي واسع تكون أولوياته الأساسية حماية الدولة الوطنية، وتأمين الممرات الاستراتيجية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وإدارة الأزمات الإقليمية بأدوات محلية، بما يقلل من الاعتماد على التدخلات الخارجية ويمنح المنطقة قدرة أكبر على صياغة مستقبلها بنفسها”.
قلق إسرائيلي يتجاوز الحاضر
التقارب المتسارع بين تركيا ومصر يشغل بال إسرائيل، وتراقبه الولايات المتحدة، إلا أن قراءة واشنطن وحليفتها الأقرب في المنطقة تبدو متباينة.
وعن ذلك، تقول المحللة السياسية الأميركية إيرينا تسوكرمان لـ”النهار” إن “إسرائيل لا تخشى التعاون المصري – التركي الحالي بقدر ما تخشى تطوره المستقبلي”، وتفسّر ذلك بأن “التنسيق بين قوتين إقليميتين كبيرتين قد يقلص حرية الحركة والنفوذ الإسرائيلي”.
وتشير تسوكرمان إلى نقاط محددة تعد من أهم شواغل الدولة العبرية، وهي: “شرق المتوسط، حيث الطاقة والبحر والأمن، وقطاع غزة، والضغط الديبلوماسي المحتمل على إسرائيل، والتعاون العسكري والتقني بين أنقرة والقاهرة، كذلك البحر الأحمر والقرن الأفريقي”.
وتعرب المحللة الأميركية عن اعتقادها أن “إسرائيل لا ترى التحالف المصري – التركي معادياً بصورة مباشرة حالياً، فهي تدرك وجود خلافات وقيود بينهما”.
وتلفت تسوكرمان إلى أن موقف واشنطن مغاير، فهي “ترحب بحذر بالتقارب، وتعتبره عاملاً يساعد على خفض التوترات الإقليمية، ويعزز الاستقرار في ليبيا والقرن الأفريقي”.
وتختتم بأن “هذا يقلل الحاجة إلى التدخل الأميركي المباشر، ومع ذلك تراقب الولايات المتحدة تأثيره على توازن القوى الإقليمي، وعلاقات إسرائيل وحلفاء الخليج، واتساع النفوذ التركي مستقبلاً”.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

