بقلم: المهندس محمود محمد صقر
في السياسة، قد يتأخر قطار السلام، لكن المصالح نادرًا ما تفوّت رحلتها. وإذا تعذّر إرسال قطار المصالحة، فلا بأس بإرسال قطار البضائع قبله، لعلّ المصالح تمهّد الطريق لما عجزت عنه الخطب.
أنابيب تُرسَم مساراتها، وسكك حديدية تنتظر الاستثمار، وموانئ تستعد للتجارة، فيما لا تزال الدول تختلف على شكل المستقبل. كأن الجغرافيا قررت أن تقنع السياسة بلغة المصالح، بعدما اكتشفت أن الخطب الطويلة لا تصلح لنقل النفط.
فالنفط لا يسأل عن هوية الميناء، والقطارات لا تتوقف لتعرف مَن يختلف مع مَن. أما الإنسان، فلا يكفيه أن يصل الطريق؛ بل يريد أن يعرف ماذا سيصل إليه من خيره.
*حين يتحدث الديزل بلغة السياسة
جاء الإعلان عن الاتفاق بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين بشأن الديزل ليذكّرنا بأن الدول قد تختلف على الحرب والسلام، ثم تلتقي على الوقود.
فقد تتصافح البراميل فيما لا تزال الأيدي مشغولة بتبادل الاتهامات.
لكن الصفقة الاقتصادية لا تعني بالضرورة اقتراب السلام؛ فقد تكون نافذةً نحو التسوية، وقد تكون مجرد استراحة تجارية في صراعٍ لم يقرر أصحابه إنهاءه.
فالمصالح قد تلتقي قبل الإرادات، وقد تجد طريقها إلى بعضها أسرع مما تجد الشعوب طريقها إلى الطمأنينة.
*المسدس الذي صار أنبوبًا
في أفلام رعاة البقر القديمة، كانت زجاجات الويسكي تزيّن الحانات، فيما تتولى المسدسات حسم الخلافات.
أما اليوم، فقد أصبح المشهد أكثر تهذيبًا: بدلات أنيقة، وابتسامات أمام الكاميرات، وعقود تحدد شروط التمويل والعبور. لم يعد الأقوى مضطرًا إلى وضع مسدسه على الطاولة؛ قد يكفي أن يضع العقد أمامك، ويترك لك حرية الاختيار بين توقيعه وتحمل العواقب.
وليس كل أنبوب سلاحًا، ولا كل استثمار فخًا. لكن الفرق بين الشراكة والتبعية قد لا يظهر عند افتتاح المشروع، حين يقف الجميع أمام الشريط الأحمر؛ بل بعد سنوات، حين تُقسَّم الأرباح، ويُكتشف مَن كان يملك المقص، ومَن اكتفى بالتصفيق.
*سوريا… ممر أم شريك؟
تقف سوريا أمام فرصة لا ينبغي اختزالها في موقعها الجغرافي. فالموقع يمنح الإمكان، لكنه لا يصنع الثروة وحده.
ليس المهم أن تعبر الأنابيب الأرض السورية أو تمر القطارات بمحطاتها، بل ما الذي سيبقى في البلاد بعد مرورها: صناعةٌ وفرص عمل، وبنية تحتية، ونصيب عادل من العائدات، وقرار وطني لا يصبح رهينةً لشروط الآخرين.
فليس من الحكمة أن نحتفل بمرور قطارٍ محمّلٍ بالثروة، ثم نكتشف أن نصيبنا منه هو ضجيج العجلات.
الدولة التي تعرف قيمة موقعها لا تكتفي بأن تكون محطةً على الطريق؛ بل تسعى إلى أن تكون شريكًا في رسمه، وصاحبةَ قرارٍ في مساره، ونصيبٍ من ثروته.
*الطريق لا يصنع السلام وحده
قد تتصالح الأنابيب قبل الدول، وتلتقي السكك الحديدية قبل أن تتصافح الأيدي. لكن الطريق، مهما نقل من ثروة، لا يصنع العدالة وحده.
قد تصبح الجغرافيا أكثر ترابطًا، فيما تزداد السياسة تباعدًا.
فالقطار يستطيع أن يصل إلى موعده، وما تحمله الأنابيب يستطيع أن يجد طريقه إلى السوق، فيما يظل الإنسان ينتظر حقه.
ولعلّ أكثر ما يثير السخرية أن العالم قد يتفق على قطر الأنبوب، وسعة القطار، وحصة كل طرف من الأرباح، ثم يحتاج إلى عقود كي يتفق على حق الإنسان في العيش بأمان.
فهل نبني شبكةً تجعل الاقتصاد جسرًا إلى السلام، أم شبكةً تربط المصالح بعضها ببعض، فيما تبقى المفاتيح في أيدٍ قليلة؟
أم أننا سنصل إلى عالمٍ تسير فيه الأنابيب وفق اتفاقات دقيقة، وتصل القطارات في مواعيدها، وتُقسَّم الأرباح بلا تأخير… بينما يظل السلام عالقًا على الرصيف، ينتظر دوره في جدول الأعمال؟
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
