عبد اللطيف شعبان
خلال الأسابيع الأخيرة، تداولت وسائل الإعلام أخباراً عن انخفاض كبير في أسعار الفروج بعد وصول الفروج التركي إلى الأسواق السورية، وعن تأكيد مديرية زراعة طرطوس سلامة شحنة تضم 567 عجلاً قادمة من أوكرانيا، إلى جانب صدور قرار بتمديد العمل بمنع استيراد التفاح والليمون، دعماً للمنتج المحلي وحمايةً له.
ولطالما كانت سورية بلداً زراعياً بامتياز، تمتلك أراضي خصبة في مختلف المحافظات، وتتنوع فيها الظروف الملائمة لزراعة العديد من المحاصيل وإنتاج مختلف أنواع الغراس، فضلاً عن تربية الثروة الحيوانية. وكان من المفترض، في ظل هذه الإمكانات، أن تحقق البلاد الاكتفاء الذاتي من كثير من المنتجات الزراعية والحيوانية، بل أن تتمكن من تصدير الفائض منها. لذلك، يبدو من المستغرب أن تتزايد الحاجة إلى استيراد منتجات يمكن إنتاجها محلياً، وأن يُلجأ إلى الاستيراد على نحو سريع، من دون إعطاء الأولوية الكافية لمعالجة أسباب النقص في الإنتاج المحلي.
لا شك في أن أي نقص طارئ في توافر مادة زراعية أو حيوانية منتجة محلياً، وما قد يرافقه من ارتفاع في الأسعار أو صعوبة في تأمين احتياجات المستهلكين، يستدعي المعالجة. لكن معالجة المشكلة لا ينبغي أن تقتصر على الاستجابة السريعة لشكاوى المستهلكين عن طريق الاستيراد، بل يجب أن تنطلق أولاً من البحث عن أسباب النقص، والتواصل مع المنتجين والمربين، والعمل على تذليل الصعوبات التي تواجههم، واتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعادة الإنتاج المحلي وتعزيزه.
إن التريث في الاستيراد، متى كان ذلك ممكناً من دون الإضرار باحتياجات المواطنين، قد يسهم في ترشيد الاستهلاك، لكنه الأهم أنه يمنح المنتجين والمربين المتوقفين عن العمل أو المتعثرين فرصة لاستعادة نشاطهم والعودة إلى ميدان الإنتاج. فالمعالجة المستدامة لا تكمن في توفير السلعة المستوردة فحسب، بل في تهيئة الظروف التي تتيح إنتاجها محلياً بصورة مستقرة وبأسعار مناسبة.
وقد ألحقت تقلبات أسعار الفروج وارتفاع أسعار الأعلاف خلال العقود الماضية خسائر كبيرة بآلاف المربين، ما دفع كثيرين منهم إلى التوقف عن الإنتاج. ولم يسلم من بقي في هذا القطاع من الخسائر، ولا سيما عندما دخلت المنتجات المستوردة إلى الأسواق بأسعار تقل عن تكلفة إنتاج مثيلاتها محلياً، الأمر الذي أضعف قدرة المنتج المحلي على المنافسة، وأدى إلى خروج المزيد من المربين من دائرة الإنتاج.
وينطبق الأمر نفسه على الثروة الحيوانية، إذ أسهم ارتفاع أسعار الأعلاف، وأحياناً ندرة توافرها، في عزوف أعداد كبيرة من المربين عن تربية المواشي. وإلى جانب ذلك، شكّل خروج أعداد كبيرة من الحيوانات، بما فيها الأبقار والأغنام والماعز، ولا سيما الإناث منها، سواء عن طريق التصدير أو التهريب، عاملاً إضافياً في استنزاف الثروة الحيوانية المحلية، وما يترتب على ذلك من صعوبة تعويض النقص في أعدادها وزيادة تكاليف تربيتها.
ومن اللافت أيضاً أن بعض التجار ورجال الأعمال يجدون في الاستيراد مجالاً أيسر لنشاطهم التجاري، في حين لا تحظى عملية تصدير المنتجات المحلية بالاهتمام والفاعلية نفسيهما. وقد تجلى ذلك بوضوح في صعوبات تصدير كميات كبيرة من التفاح والليمون خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى تكدس الإنتاج وصعوبة تسويقه، ودفع بعض المزارعين إلى اقتلاع أشجارهم أو إهمالها وتركها حتى تيبس، بعد أن باتت زراعتها عبئاً اقتصادياً بدلاً من أن تكون مصدراً للدخل.
إن مصلحة الوطن والمواطنين تقتضي أن تتجه الأولوية إلى معالجة مشكلات المنتجين الزراعيين ومربي الثروة الحيوانية، وتوفير مستلزمات الإنتاج لهم بأسعار مناسبة، وتأمين منافذ تسويقية عادلة ومستقرة لمنتجاتهم. فالإنتاج المحلي هو الذي يوفر احتياجات المستهلكين بصورة مستدامة، ويخلق فرص العمل، ويدعم الدورة الاقتصادية، ويحد من استنزاف القطع الأجنبي في تمويل المستوردات.
ومن هنا، فإن التوسع في الاستيراد من دون دراسة كافية لآثاره على الإنتاج المحلي قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ قد يوفر السلعة للمستهلك بسعر أقل على المدى القصير، لكنه يتسبب في إضعاف المنتج المحلي، ويقلل قدرته على الاستمرار، ويزيد الاعتماد على الأسواق الخارجية. وعندما يتراجع الإنتاج المحلي ويصبح الاستيراد ضرورة لا غنى عنها، قد يجد المستهلك نفسه أمام أسعار أعلى وخيارات أقل، بعد أن تكون القدرة المحلية على تلبية احتياجاته قد تراجعت.
وفي هذا السياق، يُعد قرار تمديد العمل بمنع استيراد التفاح والليمون، بهدف دعم المنتج المحلي وحمايته، خطوة في الاتجاه الصحيح، ما دامت ترافقه إجراءات عملية تضمن توافر المنتج في الأسواق بأسعار مقبولة، وتحول دون استغلال الحماية لرفع الأسعار أو الإضرار بالمستهلك. ونأمل أن تتبع ذلك قرارات مماثلة، تقوم على دراسة واقع الإنتاج المحلي، وتنظيم الاستيراد وفق الحاجة الفعلية، وتشجيع تصدير الفائض من المنتجات الوطنية.
كما ينبغي ألا يغيب عن أذهان المعنيين أن انخفاض سعر بعض المنتجات المستوردة لا يعني بالضرورة أن تكلفة إنتاجها في بلد المنشأ منخفضة بالقدر نفسه؛ فقد يكون انخفاض السعر مرتبطاً بظروف إنتاجية أو تسويقية أو بدعم حكومي، وقد ينجم عن اعتبارات تجارية أخرى. ولذلك، فإن تقييم جدوى الاستيراد يجب أن يستند إلى دراسة شاملة لتكاليفه وآثاره المباشرة وغير المباشرة على الاقتصاد الوطني، لا إلى سعر السلعة المستوردة وحده.
إن حماية الإنتاج المحلي ليست دعوة إلى إغلاق الأسواق أمام المستوردات، ولا إلى تحميل المستهلك أعباء إضافية، بل هي دعوة إلى تحقيق التوازن بين حقه في الحصول على منتجات جيدة بأسعار مناسبة، وحق المنتج الوطني في المنافسة والاستمرار. فالمطلوب ليس استيراد ما نستطيع إنتاجه محلياً كلما ظهرت صعوبة عابرة، وإنما معالجة أسباب تلك الصعوبة، وتعزيز قدرتنا على الإنتاج، وفتح الأسواق أمام فائضه. وبذلك تصبح سياسة الاستيراد أداةً لتلبية الاحتياجات الفعلية، لا سبباً في إضعاف الإنتاج الوطني وتقويض مقومات الاكتفاء الذاتي.
الكاتب:عضو جمعية العلوم الاقتصادية – عضو اتحاد الصحفيين

(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

