حاورها:علي نفنوف
لا يمكن قراءة تجربتها من جغرافيا واحدة، لأن الأمكنة التي عبرت بها لا تبقى خلفها وإنما دخلت في تكوينها و اعادت تشكيل صوتها كلما كتبت. سميرة فاضل غانم واحدة من هؤلاء؛ شاعرة وإعلامية ومحررة، حملت في ذاكرتها هواجس جيل كامل
في تجربتها، يبدو الوطن اسما على خارطة، ومداد قلب يتسلل إلى الكتابة. من طبيعة لبنان ولدت القصيدة، ومن الغربة عن الأهل في سورية ولد شجنها، ومن العراق، الذي تصفه بـ”أب الشعر”، جاء النخيل ليغازل شاعرة وجدت نفسها تمشي بين حروف متناثرة، تلتقط منها ما يصلح لأن يكون قصيدة أو نصا أو قصة قصيرة.
ولأنها عاشت أزمنة عربية مثقلة بالأزمات، لم تنظر إلى الشعر على انه ترفا لغويا، و شاهدا على الوقت، ولسان حاله، ربما مؤرخا صادقا لما يتركه الواقع في الروح. وفي كتبها، من “تيه” إلى “ثرثرة شفاه مطبقة”، تبدو الكتابة محاولة لاستعادة ما لا تستطيع الحياة قوله مباشرة؛ فالحرب تصبح أنثى بلا رحمة، والصمت يتحول إلى بوح، والمرأة التي تعطي وتصمت وتسامح وتنتظر، تجد أخيرا مساحة للكلام.
مساحه غنيه بفلسفه انثى وإراده مفكر
في هذا الحوار، تفتح سميرة فاضل غانم نوافذ متعددة على تجربتها الشعرية والإعلامية والإنسانية؛ تتحدث عن الأمكنة التي صنعت صوتها، وعن المحكية والفصحى، وعن مسؤولية المجلة الثقافية، وعن المرأة والكتابة، وعن أثر الأمومة والجدّة في القصيدة، وعن ذلك الصمت الذي تؤمن بأنه كثيرا ما يكون أبلغ من البوح.
وحين تتحدث سميرة، لا تبدو الإجابات مجرد ردود على أسئلة، وإنما شذرات من سيرة امرأة اختارت أن تترك حياتها تمشي بين الحروف.
من جبل لبنان إلى سورية والعراق… ثلاث جغرافيات في قصيدة واحدة
وحول تنقل تجربتها بين جبل لبنان نشأة، وسورية إقامة وعطاء، والعراق عملا وإشرافا عبر مجلة البنفسج، وكيف استطاعت أن تصهر هذه الجغرافيات في بوتقة أدبية واحدة دون أن تفقد خصوصية نبرتها اللبنانية، تقول :
“وإن تعددت أسماء الأوطان لكننا حين نلتقي تختفي المسميات بلغة واحدة وثقافة تربوية واحدة، وما جمعته هو خصوصية كل بلد وضعه القدر في حياتي. فمن جمال طبيعة لبنان ولدت معي القصيدة، ومن غربتي عن أهلي في سورية ولد شجن القصيدة، ومن أب الشعر العراق غازلني النخيل، فما من شاعر عربي إلا ويعشق السباحة في بحور الشعر العراقي، فصقل هذا الخليط سميرة المترددة في الكتابة إلى مدمنة على الكتابة، لتصبح حياتي عبارة عن سير بين حروف متطايرة حولي، لا أعرف بأية لحظة ألتقط حفنة منها لأرصفها قصيدة أو نصا أو قصة قصيرة.”
بين الفصحى وذاكرة المحكية
وعن المسافة بين ديوانها المحكي “عمر هربان”، وما يحمله من حنين وشجن باللهجة اللبنانية، وبين كتاباتها الفصحى وانخراطها في الهم العربي العام، ترى أن الإجابة تكمن بالفعل في السؤال، وتضيف:
“الإجابة تكمن بالفعل في السؤال، إضافة إلى أننا في منطقتنا ننضج مبكرا بفعل الأزمات التي نعيشها، وبالتالي الشاعر لسان الحالة والوقت الراهن لأنه بشكل ما رسول بين المراحل، ومن المفترض أن يكون مؤرخا صادقا.
ونعم الفصحى لغة المشترك القومي والإنساني لأننا كلنا نتعلم ذات القواعد، فيما تختلف اللهجات، رغم أن الشعر المحكي مستلطف لدى الأغلبية، تستثني المتزمتين الذين لا يعترفون بأي نوع للشعر إلا العمودي أو شعر التفعيلة.”
**
ومن الشعر إلى العمل الثقافي، تبدو تجربتها في رئاسة تحرير مجلة البنفسج العراقية مساحة أخرى من تجربتها في مد الجسور بين المبدعين العرب. وعن قدرة المجلات الثقافية اليوم على صناعة وعي جمعي عربي عابر للحدود، وعن الرهانات التي تخوضها للحفاظ على رصانة المادة الثقافية، تقول:
“نحن في ثورة ثقافية حامية على الورق وعلى الصفحات الرقمية، لذلك من الصالح أن تتوثق الإبداعات الصحيحة والجميلة في مجلات ورقية وحتى إلكترونية لتنظيمها وتصنيفها بين ما يجب أن لا يضيع وينجرف في سيل الكتابة الفوضوي الذي لا يقف أمامه شيء اليوم، لذلك أراهن في نجاحي في إدارة تحرير مجلة البنفسج الورقية على الالتزام الأدبي بانتقاء المميز الذي ارتقت به مجلة البنفسج، لأنك في أي نجاح عليك مراعاة الأغلبية، وكل نجاح يميل نحو الخاص مؤقت ومرهون بعمر المصلحة، ثم إن كل ما يرتبط بسياسة أو دين يقبض على شعلة قد تحرقه بأية لحظة، ومن هنا حرصنا في مجلة البنفسج على شرط الابتعاد عن الثالوث المدمر ـ سياسة ودين وجنس ـ لتلقى المنشورات احترام كل الفئات، ولتحظى قراءتها بعين إنسانية جمالية إبداعية بحتة.”
*
الورق في مواجهة الشاشة
وحول الموازنة بين عمق الثقافة الورقية ومتطلبات العصر الرقمي، تقول:
“لمجلة البنفسج موقعها المسجل رسميا في غوغل وفي يوتيوب وفي الفيسبوك، وبالتالي نعطي حرية النشر لكل الشرائح ـ مع شرط الرقابة ـ ولعشاق الورق وأنا منهم أنشأنا المجلة الورقية التي أثبتت نجاحها وثبات مكانتها بمحتواها الانتقائي الراقي أدبيا وفنيا، بسبب الموازنة بين فكر الأجيال وإعطاء فرصة النشر للإبداع الجميل والغني بغض النظر عن أي شرط آخر، ففي النهاية إن انضوينا تحت جناح دين الإنسانية العظمى نتقبل ونقبل من قبل كل من يحترم الكلمة والفن.”
حين يصبح الواقع أبشع من التعبير
وفي كتابها “تيه”، الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، تحضر الأسطورة والطبيعة والرمز كمنافذ للتعبير عن وجع الواقع. وعن لجوء الشاعر إلى هذه الرموز حين تضيق العبارة الواقعية، وما إذا كان ذلك هروبا من الواقع أم إعادة خلق له، تجيب بحسم:
“لا ليس هروبا، فمن يحمل قضية الواقع المر ويكتبه لا يهرب، بل لأن الواقع أبشع من أي تعبير أحيانا نلطّفه بالاستعارات والترميز. كتابي (تيه) وليد الحرب، والحرب هي الأنثى الوحيدة الخالية من الرحمة، وما باح به تيه مشاعر المقهورين في الأزمات التي عايشتها في لبنان وسورية، فأنا ابنة الجبلين وابنة الحربين التي جمعت حروفي من الغيوم التي تصاعدت من تنهدات المقهورين.”
ثرثرة شفاه مطبقة… حين يكون الصمت أبلغ
أما “ثرثرة شفاه مطبقة”، ذلك العنوان الذي يجمع بين الثرثرة والصمت،
فيعود بها إلى زمن أبعد في تجربتها. وعن الكتابة النثرية والومضة الوجدانية، وعن تلك الشفاه التي قد يكون صمتها أكثر بلاغة من القصيدة المكتملة، تقول:
“ثرثرة شفاه مطبقة صدر منذ 11 سنة وانتقيت محتواه من دفاتر عمرها يزيد عن 25 سنة، فمن البديهي أن أنوّه لبعض التغيرات التي طرأت على المجتمع عموما وعلى المرأة خاصة بعد هذا الوقت، لذلك ربما تجد فيه بنات هذه الأيام ما لا يحببنه من مشاجرات الفكر المكبوتة والبوح الخجول خلف شفاه مطبقة. لأنهن اليوم أبسط ما يكون يكتبن ولو بأسماء مستعارة عبر فيسبوك وغيره كل ما يحلو لهن بجرأة وقوة.
لكنه بالنسبة لي أول خطوة بعد الحبي في الكتابة وأول صوت نطقت به بعد صمت التمرد على واقع المرأة الشرقية التي تعطي بكل كيانها دون مقابل وتسامح وتنتظر وتخلص وتصمد، وكل ذلك يسمونه (واجبها) ولا أحد يشير إلى حقها. وفي عنوانه لا أزال مقتنعة بأنه كثيرا ما يكون الصمت أبلغ البوح.”
الأمومة والجدّة… حين تنضج القصيدة
ومن المرأة الكاتبة إلى المرأة في تجربتها الإنسانية، تتوقف سميرة عند أثر الأمومة والجدّة وتقدم العمر في وعيها الشعري، وترى أن هذه التحولات لا تخفف من فيض القصيدة بقدر ما تمنحها عمقا مختلفا:
“أن تكون المرأة أما يعني أن تتبنى عالما يحكمها لا تحكمه، وأن تكون جدة يعني أن ترخص روحها لأجل مشاعرها، ومن هنا من المفترض أن تصبح القصيدة أثرى وأغزر، لكن يوازي حصولي على الولد ثم الحفيد تقدما بالعمر وخبرة وانضباطا يهدئ فيض المشاعر في الكتابة لا في القصيدة، لذلك أصبحت القصيدة تلقائيا وبدون قصد أعمق وأجزل.”
إرث الكتاب… والمرأة التي وجدت صوتها
وتعود بها الذاكرة إلى البيئة التي نشأت فيها، وإلى والدتها التي أورثتها شغف الكتاب، ومنها إلى سؤال أوسع يتعلق بمسؤولية الكاتبة العربية تجاه أجيال ابتعد قسم منها عن القراءة الورقية، وبمسألة حضور القلم النسائي في المشهد الثقافي. وهنا تقول:
“والله هذه معادلة صعبة لأنني أؤمن بأن لكل جيل رؤيته الصحيحة في الصح والخطأ، وبالتالي لا ألوم جيل اليوم على عدم حبهم للقراءة الورقية، وبذات الوقت أتفاءل بالكم الكبير الذي يقرأ منهم، وربما بالوراثة حب بناتي للقراءة وكثيرين من أصدقائهم يحبون القراءة، ولا فرق إن كانت كتب pdf أو كتاب ورقي، فبالنهاية المقصود هو التثقيف ونيل المنتج الأدبي لفرصة قراءته.
أما صراع الأقلام وتهميش القلم النسائي فأنا أرى عكس ذلك مقارنة بما كان، إذ نلاحظ كل عشر سنوات خطوة كبيرة في مفاهيم المجتمع اتجاه المرأة، ولا يمكن إنكار فضل الفضاء الأزرق على حرية المرأة في الكتابة وإطلاق يدها في الساحة الأدبية، وفي كل زمان طبعا استثناءات سيئة، لكن انطلقت أسماء أثبتت بأنها جديرة بالمعرفة وبالإضاءة على فكرها الخلاق الموازي لأكبر وأجمل أسماء الشعراء والأدباء الرجال.
ومن البديهي إن كثر الكتاب كثر القراء، ولكي تجد القارئ عليك مجاراة فكره واهتماماته، فإن عرفنا من أين تؤكل الكتف استطعنا طرح الكتاب بين أيدي الشباب، فمن المهم أن يكون الكاتب ذكيا وليس موهوبا فقط ليعرف كيف يشد اهتمام هذا الجيل للقراءة.”

(أخبار سوريا الوطن-المنار الثقافية الدولية)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

