تشهد العلاقات الاقتصادية السورية – الإماراتية تحوّلاً من التبادل المحدود إلى استثمارات عقاريّة ولوجستيّة مُوسعّة، وتتصدر “إيجل هيلز” المحفظة بقيمة تطويرية خمسين مليار دولار، ومساهمة اقتصادية مُتوقّعة تتجاوز 63 مليار دولار.
وتشمل الخطط استثمارات لرجل الأعمال محمد العبّار بقيمة تتراوح ما بين 18 – 20 مليار دولار، ومشاريع عقارية بـ 15 – 17 مليار دولار، و”مترو دمشق” بقيمة ملياري دولار، بالإضافة إلى استثمارات مجموعة “أرادَ” بقيمة سبعة مليارات دولار، و”موانئ دبي” بقيمة 800 مليون، مع تبادل تجاري غير نفطي 1.4 مليار دولار في 2025 بنمو 132.4%، و اتفاقية استثمارية لمشاريع عمرانيّة وسياحيّة تم توقيعها بتاريخ 5 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
تأتي هذه الرؤيّة، في وقت يقدّر فيه تقرير البنك الدولي لعام 2025 احتياجات إعادة إعمار الأصول المادية في سوريا بما يقارب 216 مليار دولار، مقابل أضرار مادية مباشرة تقدر بما يقارب 108 مليارات دولار، وتوقّعات أن تتراوح تكاليف إعادة إعمار الأصول المادية المُتضررة بين 140 – 345 مليار دولار، وتشمل التكلفة 75 مليار دولار للمباني السكنية، و 59 مليار دولار للمنشآت غير السّكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية. ومن المُتوقّع أن تحتاج محافظتا حلب وريف دمشق إلى النسبة الأكبر من استثمارات إعادة الإعمار.
الجغرافيا السورية: ثروة لم تتحوّل إلى اقتصاد
يرى الدكتور سلمان ريّا أن الميزة السورية الأساسية تكمن في الموقع: ساحل على المتوسط، وحدود مع تركيا والعراق والأردن، وموقع يُتيح نظريّاً، الرّبط بين شرق المتوسط والأناضول والعراق والخليج والعُمق الآسيوي.
لكن الموقع وحده لا يصنع مركزاً اقتصادياً برأيه، مبيّناً أن الطّريق الأكثر واقعيّة ليس القفز مباشرة إلى إنشاء مركز مالي إقليمي، وإنما بناء مركز للتجارة والنقل واللوجستيات والصناعة وإعادة التصدير، ثم تطوير الخدمات المالية والمصرفية والتأمينية فوق هذه القاعدة.
هنا تبرز أهمية الميناء برأي “ريّا”، بأن لا يكون مجرّد نقطة دخول وخروج للسفن، وإنما بوّابة إلى شبكة من الموانئ الجّافة والمراكز اللوجستية والمناطق الصّناعية، بحيث تنتقل البضائع بين البحر والبرّ والسّكك والجو بأقل تكلفة وزمن مُمكنين. وهنا يمكن لسوريا، بحسب الدكتور “ريّا”، أن تنتقل من دولة تقع بين الأسواق إلى دولة تصل الأسواق ببعضها.
المرفأ أولاً والمال لاحقاً
يضع الدكتور سلمان ريّا تطوير الموانئ والبنية التحتية في مقدّمة الأولويّات، لأن المركز المالي لا يمكن أن ينشأ في فراغ اقتصادي. فالموانئ المُتطوّرة تولّد حولها خدمات بحريّة و لوجستية وتمويلاً تجارياً وتأميناً وإصلاحاً للسفن ومستودعات ومناطق حرّة وصناعات وخدمات رقميّة.
ومن هذا المنطلق، يجد “ريّا” أن إعادة تأهيل القطاع المصرفي تمثل شرطاً لا غنى عنه، وهذا يتطابق مع تقييم صندوق النّقد الدولي في 4 آب/أغسطس 2026، الذي دعا إلى تسريع إعادة تأهيل المصارف، وتحديث قوانين المصرف المركزي والمصارف، وتعزيز الرّقابة، وتطوير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب تطوير أسواق رأس المال.
كما وافق البنك الدولي في آب/ أغسطس 2026 على منحة بقيمة مئة مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري، في مؤشر على أن بناء البنية المالية أصبح جزءاً أساسيّاً من مسار إعادة الاندماج الاقتصادي.
800 مليون دولار لكن كم دخل فعليّاً؟
يُشدّد عضو مجلس إدارة غرفة التجارة والصّناعة في طرطوس الدكتور سلمان ريّا على ضرورة التمييز بين الاستثمار المُعلن والاستثمار المنفّذ. ويبرز هنا مشروع تطوير وتشغيل مرفأ طرطوس من قبل مجموعة “موانئ دبي” “DP World ” الإماراتية، الذي يتضمن برنامجاً استثماريّاً معلناً بقيمة 800 مليون دولار على مدى امتياز يمتد ثلاثين عاماً.
مبلغ 800 مليون دولار ليست، وفق هذا المنطق، أموالاً دخلت الاقتصاد السوري دفعة واحدة، برأي الدكتور “ريّا”، بل برنامج استثماري مرتبط بمراحل التنفيذ، داعياً إلى تغيير طريقة قياس الاستثمارات الأجنبية، لأنه لا يكفي السؤال عن قيمة المشروع برأيه، بل يجب قياس حجم الإنفاق الفعلي، والأصول التي أُنشئت، والطاقة الإنتاجية المضافة، والوظائف، وتدريب السوريين، ونسبة الشركات المحلية في سلاسل التوريد، وأثر الاستثمار على التجارة والإيرادات.
أي أن الاستثمار الحقيقي، في هذا التصوّر، هو ما يتحوّل إلى قدرة إنتاجيّة سوريّة. لكن القيمة الأكبر، وفق رؤيته، تكمن في نوعيّة الاستثمار لا حجمه فقط.
مركز لوجستي وصناعي قبل المركز المالي
يُقدّم الدكتور سلمان ريّا ضمن قراءته للمشاريع تحليلاً للأثر المُتوقّع، مبيّناً أن المشروع الذي يجلب رأس المال والإدارة والخبرات من الخارج ثم يغادر دون تطوير المورّدين والمهارات المحليّة، يترك أثراً محدوداً برأيه، أما الاستثمار الذي ينقل التكنولوجيا، ويُدرّب العمال والمهندسين، ويخلق شركات سوريّة مُرتبطة بسلاسل التوريد، فيتحوّل إلى أداة لبناء اقتصاد مُستدام.
ومن بين ثلاثة مسارات مُحتملة: مركز مالي إقليمي، أو مركز للتجارة والنقل واللوجستيات وإعادة الإعمار والصناعة، أو اقتصاد يعتمد على الاستثمار الأجنبي دون بناء مركز مستقل، يرى الدكتور سلمان ريّا أن السّيناريو الثاني هو الأكثر اتساقًا مع المقوّمات السّورية خلال العقد المُقبل.
فالقطاع المالي برأيه يحتاج أولاً إلى إصلاحات مؤسسيّة عميقة، بينما تمتلك سوريا فرصة مباشرة في إعادة الإعمار والبنية التحتية والنقل والصناعة والتجارة. وهنا تصبح المرحلة اللاحقة أكثر أهمية برأيه، تمويل التجارة، التأمين، المصارف، أسواق رأس المال، ثم الخدمات المالية الإقليمية. وبمعنى آخر، يقول “ريّا”: لا يبدأ المركز المالي من المصارف، بل من الاقتصاد الحقيقي الذي يحتاج إلى المصارف.
المؤسسة: الاختبار الأصعب
يلفت عضو مجلس إدارة غرفة التجارة والصّناعة في طرطوس الدكتور سلمان ريّا إلى عامل يتجاوز المال والموانئ والاستثمارات، هو بناء المؤسسة، الجغرافيا والاستثمار وإعادة الإعمار عوامل لا تكفي، إذا لم تتوافر جمارك فعّالة، وقضاء تجاري موثوق، وتشريعات مستقرّة، ومؤسسات رقابيّة، وبيانات اقتصادية دقيقة، ونظام وطني للجودة والاعتماد وتقييم المّطابقة، ورأس مال بشري قادر على إدارة الاقتصاد الجديد.
ومن هنا يقترح “ريّا” تطبيق منهج “تحليل الفجوات” على الاقتصاد السوري، تحديد الوضع الحالي، والوضع المستهدف، والفوارق بينهما، و الإجراء التصحيحي، والجهة المسؤولة، والموارد، والمدّة، ومؤشر قياس النجاح.
اخبار سورية الوطن 2_الأقتصادية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
