د. سلمان ريا
في زمن يكثر فيه القتل باسم الخوف، والانتقام باسم العدالة، والتكفير باسم الدين، ربما يكون السؤال الذي نحتاج إلى طرحه على أنفسنا أبسط من كل الخلافات: من أعطى الإنسان حق أن يحاسب إنسانًا آخر على ما في قلبه؟ ومن أعطاه حق أن يجعل من اختلافه معه في الدين أو المذهب أو الرأي حكمًا بالموت؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا ممزقًا ليس أن يختلف أبناؤه؛ فالاختلاف سنة بشرية، وإنما أن يتحول الاختلاف إلى اعتقاد بأن الآخر أقل حرمة، ثم تتحول هذه الفكرة إلى سلاح.
القرآن يجعل الحساب الأخير لله وحده. قال تعالى: «ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» (الأنعام: 164). وقال تعالى: «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس: 99). فالإنسان يستطيع أن يدعو ويحاور ويجادل، لكنه لا يملك قلوب الناس، ولا يستطيع أن يكرههم على الإيمان، ولا أن ينصّب نفسه حاكمًا على سرائرهم.
أما الدم، فقد أحاطه القرآن بسياج شديد من الحرمة. قال تعالى: «ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا» (النساء: 93). وقال تعالى: «من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا» (المائدة: 32). وهذه ليست دعوة إلى تعطيل القانون أو ترك المجرم بلا حساب، بل هي تذكير بأن الدم ليس ملكًا للأفراد والجماعات، وأن العقوبة لا تتحول إلى حق شخصي يستوفيه من يشاء وكيف يشاء.
ولنا في سيرة الرسول محمد (ص) ما يردّ الإنسان إلى هذا المعنى. ففي قصة أسامة بن زيد أن رجلًا من الخصوم قال عند الهجوم عليه: «لا إله إلا الله»، فقتله أسامة ظانًّا أنه قالها خوفًا من الموت. فلما بلغ ذلك الرسول (ص) قال له: «يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟» وظل يكررها عليه حتى قال أسامة إنه تمنى أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم. رواه البخاري، حديث رقم 4269. وفي رواية أخرى جاء المعنى أكثر وضوحًا: «أفلا شققت عن قلبه».
ليست العبرة هنا بتفصيل الواقعة وحده، وإنما بذلك الحد الفاصل الذي وضعه الرسول (ص) بين ما يراه الإنسان بعينه وما يدّعي معرفته بما في قلب غيره. فإذا كان أسامة، وهو من كبار الصحابة، قد خوطب بهذه الصرامة بعد أن اجتهد في لحظة قتال، فكيف يجوز لإنسان اليوم أن يستبيح دم إنسان آخر لأنه حكم على نيته أو عقيدته أو ما يظنه في داخله؟
وفي يوم فتح مكة، حين امتلك الرسول (ص) القوة، لم يجعل امتلاك القوة تفويضًا مفتوحًا لسفك الدم. قال عن حرمة مكة: «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم»، ثم أكد أن حرمتها عادت كما كانت. رواه البخاري، حديث رقم 4295. والمعنى الذي يستوقفنا هنا أن الاستثناء الذي وقع للنبي (ص) لا يتحول إلى رخصة عامة يتذرع بها كل صاحب قوة.
وهذا بالضبط ما نحتاج إلى استعادته اليوم: لا أحد يملك أن يجعل من نفسه مفوضًا عن الله في ضمائر الناس. لا الشيخ، ولا السياسي، ولا قائد الجماعة، ولا حامل السلاح. يستطيع الإنسان أن يختلف، وأن ينتقد، وأن يطالب بمحاكمة من ارتكب جريمة، لكن المحاكمة تكون أمام قضاء، وبينة، وقانون، لا أمام بندقية ولا أمام غضب جماعة.
إن أخطر ما فعلته سنوات الصراع أنها جعلت بعض الناس يرون الجريمة من خلال هوية الضحية: هذا من جماعتنا، وهذا من جماعتهم؛ هذا يستحق، وهذا لا يستحق. لكن العدل يبدأ حين نكسر هذه القاعدة. الإنسان لا يحمل وزر جماعته، ولا يرث جريمة غيره، ولا يصبح قاتلًا لأن واحدًا من أبناء طائفته قتل، ولا يصبح خائنًا لأن أحد أقاربه خان.
نحن لا نحتاج إلى أن نتفق جميعًا في الدين والسياسة والتاريخ. نحتاج فقط إلى أن نتفق على أن الاختلاف لا يجعل الدم مباحًا، وأن السلاح لا يمنح صاحبه سلطة على الضمائر، وأن الله وحده يعلم ما في القلوب، وأن لكل إنسان حسابه الذي لا يحمله عنه أحد.
لقد أرهقنا الدم السوري، وربما آن الأوان أن نبحث عن بداية أخرى: أن نعيد للإنسان حرمته قبل انتمائه، وللقانون مكانه قبل السلاح، وللعقل دوره قبل الغضب، وللضمير صوته قبل الكراهية.
فالله لم يفوضنا أن نفتش في القلوب.
ولم يجعل اختلافنا مع الناس إذنًا بقتلهم.
فلنترك لله ما هو لله، وللقضاء ما هو للقضاء، وللإنسان حقه في أن يعيش.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
