تناولت جلسة المحور الأدبي في مجلس الثقافة بطرطوس امس تجربة أبي العلاء المعري الشعرية، مع التركيز على ديوان اللزوميات بوصفه واحداً من كنوز التراث العربي، وما يحمله من ثراء لغوي وفكري وفلسفي يستحق المزيد من الدراسة والقراءة.
استهل الشاعر حسن بعيتي حديثه بالإشارة إلى فرادة تجربة المعري في «اللزوميات»، موضحاً أنه لم يكتفِ بقيود الوزن والقافية، بل أضاف قيداً آخر يتمثل في التزام الحرف السابق للروي، وهو ما عُرف بـ «لزوم ما لا يلزم». ورغم هذا القيد الإضافي، استطاع المعري أن يظهر قدرة استثنائية على التحكم باللغة وصياغة صور وأفكار بالغة العمق والجمال.
واستعرض بعيتي مجموعة من النماذج الشعرية التي تكشف نظرة المعري إلى الحياة والموت والإنسان وتقلبات الأيام، ومنها أبياته التي تصور مصير الإنسان مع التقدم في العمر، ومساواة الموت بين الناس على اختلاف أحوالهم وأممهم، إضافة إلى نظرته إلى مفارقات الحياة وميل النفس البشرية.
وتوقف النقاش عند قوله:
«وجسمي شمعةٌ والنفسُ نارٌ
إذا حان الردى خمدت بأفِّ»
حيث قدّم المعري صورة مكثفة للعلاقة بين الجسد والنفس والفناء؛ فالجسد كالشمعة، والنفس كالنار التي تمنحه الحياة وتستهلكه في الوقت نفسه، بينما يأتي الموت كنفخة تطفئ هذه الشعلة.
وقدمت الأستاذة جنا إبراهيم قراءة لهذا البيت، رأت فيها اختصاراً بليغاً لفلسفة الوجود وثنائية الجسد والروح، مشيرة إلى قدرة المعري على التعبير عن الفناء الإنساني بصورة شعرية بسيطة في ظاهرها وعميقة في دلالتها، وأثنى الأستاذ حسن على هذا التحليل.
كما تناولت الجلسة موقف المعري من الدنيا، وتشبيهها بالفتاة الحسناء التي يتعلق الإنسان بها بينما تصد عنه، إلى جانب أبيات عبّر فيها عن موقفه من الإيمان، في مواجهة ما أثير حوله من اتهامات بالإلحاد.
وطرحت الأستاذة أمل علي الحديث عن «رسالة الغفران»، فأوضح الأستاذ حسن أنها تعد أيضاً تحفة فنية في تراث المعري، وأن هناك آراء نقدية تناولت أثرها في الأدب العالمي، ولا سيما ما قيل عن صلتها بـ«الكوميديا الإلهية» لدانتي.
وتناول الحوار جانباً من رحلة «رسالة الغفران» إلى العالم الآخر ولقاءات شخصياتها بالشعراء، ومنها لقاء عبيد بن الأبرص والسؤال عن سبب دخوله الجنة، كما أشارت الأستاذة أمل إلى حضور زهير بن أبي سلمى في الرسالة. إلا أن الأستاذ حسن دعا إلى العودة للتركيز على شعر المعري، نظراً لاتساع تجربته الأدبية وتنوعها بما لا يسمح بالإحاطة بها في جلسة واحدة.
واستحضرت الأستاذة أمل عدداً من أشهر أبيات المعري، ومنها:
«غيرُ مجدٍ في ملّتي واعتقادي
نوحُ باكٍ ولا ترنّمُ شادِ»
وما يتصل بها من تأملات في الموت والفناء ومصير الإنسان، مؤكدة وصف المعري بـ «الشاعر الفيلسوف».
وفي جانب من الحوار حول فلسفته، أوضح الأستاذ حسن أن قيمة شعر المعري لا تأتي من القيود اللغوية التي فرضها على نفسه بحد ذاتها، وإنما من قدرته الفائقة على التحكم باللغة والإبداع رغم هذه القيود.
كما أشار إلى أن تشاؤم المعري لا ينبغي فهمه بالمعنى التقليدي البسيط، بل باعتباره موقفاً فلسفياً عميقاً يعيد قراءة الحياة ويعترف بما فيها من ظلمة وألم وتناقضات، في الوقت الذي يواجه فيه هذه الظلمة بالبصيرة، والقبح بالبلاغة والإبداع.
واختُتم هذا المعنى ببيت المعري الشهير:
«وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ»
لتخلص الجلسة إلى صورة أبي العلاء المعري شاعراً وفيلسوفاً امتلك قدرة لغوية استثنائية، وحوّل قيود الشعر إلى مساحة للإبداع، وجعل من تجربته الشعرية مجالاً واسعاً للتأمل في الإنسان والحياة والموت والوجود.
وفي ختام الجلسة، توجّه مجلس الثقافة في طرطوس بالشكر والتقدير للشاعر الأستاذ حسن بعيتي على طرحه الجميل والمثري، ولجميع المشاركين على مداخلاتهم وتفاعلهم الراقي.
(اخبار سوريا الوطن-مجلس الثقافة)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

