بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
الفساد هو الخطر الأكبر الذي يهدد الدولة ويدمّر مؤسساتها ويخرّب المجتمع، ولا يمكن فصل الفساد المالي عن الفساد السياسي والاقتصادي والإداري، فهي حلقات مترابطة، يغذّي بعضها بعضًا، ويؤدي ضعف إحداها إلى إضعاف الأخرى.
فلا يُنهب المال العام على نطاق واسع إذا كانت الإدارة نزيهة وفعّالة، وتخضع للقانون.
ولا تُفصَّل الصفقات والعقود العامة لمصلحة أشخاص أو جهات إذا كانت أجهزة الرقابة مستقلة وفاعلة.
ولا يجرؤ الموظف على بيع وظيفته أو استغلال منصبه إذا كان القضاء مستقلًا وقادرًا على محاسبته.
ومن أبرز العوامل التي تسبب الفساد:
غياب معارضة سياسية وطنية لا تكون مرتبطة بالخارج.
غياب إعلام مهني ومستقل وملتزم بقضايا المجتمع، قادر على كشف الفساد.
غياب الشفافية في إدارة المال العام والقرارات الحكومية.
غياب المحاسبة والمراجعة الدورية لأداء مؤسسات الدولة.
أما أبرز مخاطر الفساد فهي:
نشوء انقسام طبقي حاد بين فقر شديد تعاني منه شريحة واسعة من الشعب، وثراء فاحش تتمتع به شريحة محدودة، غالبًا ما تكون في مواقع السلطة أو قريبة منها، بما يؤدي إلى تركّز الثروة والنفوذ في أيدي قلة على حساب غالبية المجتمع.
خلق بيئة مجتمعية مريضة تتقبّل الفساد والفاسدين، وتتعامل مع الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ باعتبارها أمورًا عادية أو وسائل مشروعة لتحقيق المصالح، حتى يصبح الفساد جزءًا من السلوك الاجتماعي اليومي بدلًا من أن يكون سلوكًا مستنكرًا ومعاقبًا عليه.
تحويل الفساد من سلوك فردي إلى منظومة متكاملة، تتشابك فيها المصالح بين الفاسد والمستفيد والمتستر والوسيط، بحيث يصبح كل طرف حريصًا على استمرار المنظومة وحمايتها.
تحويل الوظيفة العامة من مسؤولية لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتحقيق المنفعة الشخصية، فيصبح الوصول إلى المنصب طريقًا إلى الثراء والنفوذ.
إضعاف مؤسسات الدولة وتفريغها من مضمونها، عندما تصبح التعيينات والترقيات قائمة على الولاء والمحسوبية والمصالح الشخصية.
إفساد منظومة العدالة والرقابة، لأن الفساد لا يستطيع الاستمرار طويلًا من دون إضعاف أجهزة الرقابة والقضاء والمساءلة.
قتل تكافؤ الفرص وإحباط الكفاءات، عندها يشعر المواطن بأن النجاح لا يعتمد على العلم والعمل والكفاءة، وإنما على العلاقات والوساطة والقدرة على شراء النفوذ.
تآكل الثقة بين المواطن والدولة، إذ يفقد المواطن ثقته بمؤسسات الدولة وقوانينها عندما يتحول المال العام إلى ثروة خاصة دون مساءلة.
إضعاف الاقتصاد الوطني وهدر المال العام، من خلال الرشاوى والاختلاسات والصفقات غير النزيهة وسوء إدارة الموارد، بما يؤدي إلى انخفاض الاستثمار والإنتاج، وتراجع الخدمات، وارتفاع كلفة المعيشة.
وهكذا، فإن أخطر ما يفعله الفساد ليس فقط أنه يسرق المال العام، وإنما أنه يسرق ثقة المواطن بالدولة، ويُفسد مؤسساتها، ويشوّه قيم المجتمع، ويحوّل الفساد من جريمة يرتكبها أفراد إلى ثقافة تحميها منظومة من المصالح المتشابكة.
لذا، فإن مواجهة الفساد معركة تقتضيها الضرورة من أجل بقاء الدولة والمجتمع.
(اخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

