بقلم: علي نفنوف
مقدمة:
الحب كلمةٌ خفيفة على اللسان سهلة في اللفظ مألوفة في التداول.
ينطقها الجميع دون عناء ويحفظها الصغار قبل الكبار وكأن معناها واضح لا يحتاج إلى تفسير غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن هذه الكلمة السهلة في اللغة عسيرة في الحياة.
فكل البشر يعرفون معنى الحب في المعاجم لكن قليلين فقط ينجحون في معايشته.
نحفظ تعريفه لكننا نتعثر في تطبيقه.
نتغنى به شعرا لكننا نرتبك أمام امتحانه واقعا
كأن الحب مفهومٌ لغوي مشاع وتجربةٌ وجودية نادرة
كأننا نتفق على اسمه ونختلف على احتماله
من هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة مساءلة هذا المفهوم:
كيف فهمته اللغة؟
وكيف تأملته الفلسفة؟
وكيف يمكن للإنسان أن يعيشه دون أن يفقد نفسه؟
** الحب في اللغة العربية **
تميّزت العربية بقدرتها الفائقة على تفصيل درجات الحب فلم تكتفِ بكلمة واحدة بل جعلته طيفا من الحالات الشعورية المتصاعدة.
فالهوى هو ميل القلب والبداية الخفية للانجذاب.
ثم تأتي العلاقة. وهي تعلّق النفس بالمحبوب.
ويشتد الأمر فيصير كَلَفا تعلقا مصحوبا بمشقة.
فإذا بلغ الحب شَغاف القلب سُمّي شغفاً.
أما العشق فهو تجاوز الاعتدال.
وفي الألم الناتج عنه يظهر الوجد والصبابة.
ويصبح الحب غراما إذا لزم القلب ولم يفارقه.
ويبلغ أقصاه في الهيام حيث يذوب العاشق في معشوقه
وهناك معانٍ أكثر صفاءً مثل الخُلّة والوُدّ والوِداد، التي تشير إلى الثبات والرحمة والنقاء.
بهذا الثراء يبدو أن العربية لم تترك درجةً من درجات الحب دون تسمية، وكأنها أدركت مبكرا أن الحب ليس شعورا بسيطا، بل مسارا نفسيا وروحيا كاملا.
** أما الحب في الفلسفة **
عند أفلاطون الحب سلّمٌ نحو الجمال المطلق.
أما أرسطو فرأى فيه صداقة الفضيلة وإرادة الخير للآخر.
وعرّف باروخ سبينوزا الحب بأنه فرحٌ يزيد من قدرة الإنسان على الوجود.
ورأى جان بول سارتر أنه توترٌ بين حريتين، بينما شددت سيمون دي بوفوار على ضرورة بقاء الذات مستقلة داخل العلاقة.
وفي فلسفة مارتن بوبر الحب لقاء وجودي حقيقي بين “أنا” و”أنت”.
أما أوغسطينوس فاعتبره توجيها للإرادة في حين رأى فريدريش نيتشه في بعض أشكاله إرادة امتلاك مع تمجيده لحب القدر.
وذهب آرثر شوبنهاور إلى اعتباره خدعة من إرادة الحياة.
بينما قدّم إريك فروم رؤية عملية للحب بوصفه فنًا أخلاقيًا يتعلمه الإنسان.
وفي البعد الروحي رأى ابن عربي الحب سرّ الوجود
بينما جعله جبران خليل جبران طريقا للنضج عبر الألم،
وحوّله نزار قباني إلى ثورة شعرية على القيود.
***رؤية علي نفنوف — الحب كاحتراقٍ وجودي***
في رؤيتي الفلسفية الوجودية أرى أن الحب ليس مجرد مفهوم أخلاقي أو تجربة عاطفية، بل حالة وجودية قصوى.
الحب هو احتراق…
لكنه احتراق يشبه احتراق المطر.
المطر يفنى ليمنح الأرض حياة وكذلك العاشق يفنى ليمنح المعنى خصوبة
وهو أيضا برودة النار
نارٌ لا تلتهم الجسد بل تذيب الداخل بصمت.
تمنح دفئا لكنها تُبقي في الروح رجفةً دائمة.
الحب ليس امتلاكا ولا مجرد فضيلة، ولا خدعة بيولوجية.
إنه اختيار واعٍ للهشاشة.
اختيار أن تنكشف أن تُعرّي قلبك أن تقبل التغيّر.
فإذا كانت الكلمة سهلة النطق
فإن عيشها يتطلب شجاعة نادرة.
خاتمة
الحب كلمة يعرفها الجميع،
لكن قلّة فقط يجرؤون على احتمال معناها الكامل.
هو في اللغة درجات
وفي الفلسفة رؤى
وفي التجربة نارٌ ومطر.
وربما يكون جوهره — كما أراى
أن نحترق بوعي
ونبرد في النار
ونمطر داخل أنفسنا…
حتى نزداد حياة.

اللوحه للفنانة التشكيليه اللبنانيه ريما عوام
(موقع: اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
