أغيد أبو زايد
في أقل من عام ونصف العام على الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، شهدت سوريا تحولات سياسية وعسكرية في إطار إعادة البلاد إلى الحالة الطبيعية ودورها الفاعل على الساحة الإقليمية، من خلال التركيز على استعادة السيادة وترتيب الوضع الداخلي، والعمل على تجاوز آثار الحرب والحفاظ على وحدة البلاد، إلى جانب تعزيز الحضور الدولي.
وقد أدت الحرب على مدار نحو 14 عاما إلى تعدد مراكز النفوذ الداخلي والخارجي، وتفكك جزئي في بنية الدولة السورية، إثر سياسات النظام المخلوع وتحالفاته الخارجية، إذ حول سوريا إلى عنصر عدم استقرار في المنطقة من خلال جلب الميليشيات الأجنبية وتمركزها على الأراضي السورية، وجعلها منطلقا لعمليات تهريب المخدرات والأسلحة إلى دول الجوار والعالم، ناهيك عن استقطاب الإرهاب ليكون شماعة لاستهداف الثورة التي انطلقت لإسقاطه.
وتمكنت الإدارة السورية الجديدة من كسب ثقة المجتمع الدولي خلال وقت قياسي، بالنظر إلى إرث النظام المخلوع وما كان عليه الحال قبل سقوطه، في حين حققت دمشق عددا من الإنجازات على الصعيدين الداخلي والخارجي، أبرزها إسقاط مخطط التقسيم في الجزيرة السورية، وإعادة الاندماج في النظام الدولي، وصولا إلى الانسحاب الأميركي الكامل من الأراضي السورية قبل أيام.
حدث مفصلي
بعد سنوات من الوجود العسكري الأميركي في سوريا، سلم الجيش الأميركي آخر قواعده العسكرية إلى الجيش العربي السوري يوم الخميس الفائت، حيث شهد مساء الأربعاء الماضي مغادرة عشرات الشاحنات الأميركية، وعلى متنها معدات عسكرية، من قاعدة قسرك الاستراتيجية. وأعلنت وزارة الدفاع السورية أن الجيش تسلم قاعدة قسرك الجوية بريف محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد، عقب انسحاب القوات الأميركية منها، في خطوة تنهي الوجود العسكري المباشر للجيش الأميركي في سوريا.
وتقع قاعدة قسرك على الطريق الدولي (M4) بين مدينتي تل تمر والقامشلي، واستخدمتها قوات التحالف الدولي منطلقا لدوريات راقبت تحركات تنظيم “داعش”. وجاء هذا الانسحاب بعد خطوات مماثلة من قواعد أخرى في البلاد، حيث تسلم الجيش السوري في شباط الفائت قاعدة الشدادي من القوات الأميركية، التي كانت تعد أكبر القواعد في شمال شرقي سوريا. وفي الشهر ذاته أخلت القوات الأميركية قاعدة “التنف” عند مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية، وتولى حرس الحدود السوري الإشراف عليها، بينما سلم الجيش الأميركي في 16 آذار الماضي قاعدة رميلان بريف محافظة الحسكة. وكانت الولايات المتحدة قد أخلت مواقع أخرى في الجزيرة السورية، أبرزها حقلا العمر وكونيكو وقاعدة تل البيادر في منتصف العام الماضي.
بدورها، أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين اكتمال عملية تسليم المواقع العسكرية التي كانت تحت سيطرة القوات الأميركية في سوريا إلى الحكومة السورية، موضحة في بيان أن استعادة السيادة على هذه المناطق، بما في ذلك الشمال الشرقي والمناطق الحدودية، تمثل ثمرة جهود الحكومة السورية المتواصلة لتوحيد البلاد في إطار دولة واحدة.
وأكد البيان أن عملية تسليم المواقع تمت بتنسيق عال بين الحكومتين السورية والأميركية، مشيرا إلى أن هذا الإنجاز يعكس تطور العلاقة بين البلدين منذ اللقاء الذي جمع الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في تشرين الثاني 2025. وفيما يتعلق بالعملية العسكرية، اعتبرت الخارجية السورية أن تسليم المواقع يمثل استكمالا طبيعيا لعملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن البنية الوطنية، ما يعزز قدرة الدولة على تحمل مسؤولياتها في مكافحة الإرهاب ومواجهة التهديدات الإقليمية.
وأضاف البيان أن الحكومة السورية تعتبر أن قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من سوريا جاء نتيجة تغير الظروف التي كانت قد استدعت الوجود العسكري الأميركي، في وقت كانت فيه جهود مكافحة تنظيم “داعش” في أوجها، واليوم ترى الحكومة أنها قادرة على قيادة عمليات مكافحة الإرهاب بالتعاون مع المجتمع الدولي.
وانضمت سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” في تشرين الثاني 2025، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في اتخاذ واشنطن قرار الانسحاب من سوريا، على اعتبار أن الجيش السوري قادر على ملاحقة خلايا “داعش” في البلاد، خاصة بعد إنهاء وجود قوى عسكرية خارج منظومة الدولة السورية.
تحول نوعي في المقاربة الأميركية
يشير القرار الأميركي بالانسحاب الكامل من سوريا إلى أن واشنطن ترى أن الجيش السوري بات قادرا على تولي زمام الأمور في البلاد، وأنها تتجه نحو الاستقرار، خاصة بعد التوصل إلى اتفاق مع “قسد” والبدء فعليا في تنفيذه، حيث وصل إلى مراحل متقدمة.
إذ اعتبر الباحث في قضايا الدولة والأمن الاستراتيجي العميد الركن مصطفى الفرحات، أن الانسحاب الأميركي الكامل من سوريا، إذا ما تأكد وتبلور بشكل نهائي، يمثل تحولا نوعيا في مقاربة واشنطن للملف السوري، ويعكس انتقالا من مرحلة الإدارة المباشرة للميدان إلى مرحلة إدارة التوازنات عن بعد.
وأضاف الفرحات في حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن “هذا الانسحاب لا ينبغي قراءته على أنه خروج من المشهد حقيقة، بل إعادة تموضع مدروسة تهدف إلى تقليل الكلفة العسكرية المباشرة مقابل الحفاظ على أدوات التأثير غير المباشر، سواء عبر الشركاء المحليين أو عبر النفوذ السياسي والاقتصادي”.
وبحسب الباحث، فإن هذا التطور “يحمل دلالات سيادية مهمة، إذ يفتح الباب أمام استعادة الدولة لمجمل أدوارها على أراضيها، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرتها على ملء الفراغ الأمني بكفاءة ومنع أي ارتدادات سلبية”.
وأوضح الفرحات أن ذلك يعزى إلى “التحول في الأولويات الدولية، حيث تعيد الولايات المتحدة اليوم تركيز استراتيجيتها نحو مواجهة صعود الصين باعتباره التحدي الأكبر على المدى الطويل، وهو ما يدفعها إلى تقليص انخراطها في ساحات لم تعد تمثل أولوية قصوى. إضافة إلى أن إعادة توزيع الموارد في ظل التوترات الإقليمية والتصعيد المستمر مع إيران، وما يرتبط به من تهديدات لأمن الطاقة والممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، يفرض على واشنطن إعادة نشر قواتها في مناطق أكثر حساسية وتأثيرا”.
كما أن تغير طبيعة التهديدات، إذ لم يعد تنظيم “داعش” كيانا مسيطرا على الأرض، بل تحول إلى خلايا متناثرة، يقلل من الحاجة إلى وجود عسكري كثيف ويعزز الاعتماد على أدوات أمنية واستخباراتية أكثر مرونة، وفق الفرحات.
ما دور دمشق؟
إلى جانب التغيرات الإقليمية والدولية، فإن الحكومة السورية لعبت دورا هاما في دفع واشنطن إلى اتخاذ قرار الانسحاب الكامل من الأراضي السورية وتسليم قواعدها إلى الجيش العربي السوري، ويعد ذلك تطورا بارزا وتحولا استراتيجيا في مرحلة ما بعد التحرير.
وقال الباحث العسكري والاستراتيجي رشيد حوراني إن دمشق قدمت نفسها على أنها عامل ضامن للأمن الإقليمي والدولي من خلال محاربة نفوذ إيران في سوريا ومحاربة تنظيم “داعش”، إلى جانب هيكلة الأجهزة الأمنية بما يتناسب مع الظروف المحيطة بتشكيل الدولة وتطويرها فكرا وممارسة.
وأضاف حوراني في حديث لصحيفة “الثورة السورية”: “على الرغم من الموجات التي يتعالى صوتها وتشير إلى تقصير الحكومة، إلا أن أداءها خلال الفترة السابقة كان جيدا قياسا بما ورثته من نظام الأسد من بنى الدولة المتهالكة ماديا وإداريا، وما لحق بها بسبب العقوبات المفروضة على سوريا بسبب الكبتاغون، كما أنها تتميز بنزولها عند مطالب الناس والتراجع عن العديد من القرارات التي رفضها الشارع”.
وتتفق في ذلك الناشطة السياسية ميديا حمدوش، إذ ترى أن “دمشق لعبت دورا حاسما ليس فقط ميدانيا، بل أيضا على المستوى الدبلوماسي، في تهيئة الظروف التي دفعت نحو الانسحاب الأميركي”. وأوضحت أنه خلال فترة قصيرة نجحت الدولة السورية في إعادة تقديم نفسها أمام المجتمع الدولي طرفا يسعى إلى علاقات مستقرة وآمنة، بعيدا عن منطق الصدام المفتوح، وهو ما عزز منسوب الثقة لدى عدد من القوى الإقليمية والدولية.
وهذا التحول، في الخطاب والممارسة، وفق حمدوش، ترافق مع انفتاح سياسي محسوب، وإعادة تفعيل قنوات التواصل، ما ساهم في ترسيخ صورة الدولة بوصفها جهة يمكن التعامل معها شريكا مسؤولا، خاصة في الملفات الحساسة كالأمن ومكافحة الإرهاب.
وقالت: “بالتوازي، فرضت الدولة حضورها على الأرض، سواء عبر استعادة السيطرة أو من خلال التقدم نحو مناطق نفوذ “قسد”، ما قلص من فعالية الأدوات التي اعتمدت عليها واشنطن. ومع تراجع جدوى الاعتماد على قوى محلية غير مستقرة، برزت الدولة السورية خيارا أكثر تماسكا وقدرة على ضمان الاستقرار”، بحسب حديث حمدوش لصحيفة “الثورة السورية”.
وبهذا المعنى، لم يكن دور دمشق محصورا في الداخل، بل امتد إلى إعادة صياغة موقعها خارجيا دولة تبحث عن الشراكات المتوازنة والاستقرار طويل الأمد، ما جعل الانسحاب الأميركي أقرب إلى نتيجة منطقية لتحول أوسع في ميزان الثقة والمصالح.
ويقف خلف الانسحاب الأميركي العديد من العوامل، وفق حوراني، أبرزها “سقوط نظام الأسد الذي كانت كل جولات تفاوضه مع “قسد” على أساس صفري، بينما منحت الحكومة السورية الكرد جميع مطالبهم وسارت في مسار الاندماج الكامل ل”قسد” مع الدولة الوليدة. كما أن الأجهزة الأمنية والعسكرية الجديدة أثبتت قدرتها على مواجهة تنظيم “داعش”، السبب الرئيس لتشكيل “قسد” ودعمها أميركيا”.
الجيش السوري قادر على سد الفراغ
حول قدرة الجيش السوري على شغل مكان القوات الأميركية في مكافحة الإرهاب، قال الباحث في قضايا الدولة والأمن الاستراتيجي العميد الركن مصطفى الفرحات إن “الجيش السوري، من حيث المبدأ، يمتلك خبرة قتالية واسعة راكمها خلال سنوات طويلة من الحرب، خصوصا في مواجهة تنظيمات غير تقليدية مثل “داعش”. وهذه الخبرة تمنحه قدرة حقيقية على التعامل مع التهديدات الميدانية، خاصة فيما يتعلق بالعمليات البرية والسيطرة على الأرض”.
وأضاف: “التحدي لا يكمن فقط في المواجهة المباشرة، بل في طبيعة الحرب الحالية ضد الإرهاب، التي تعتمد بشكل أساسي على التفوق الاستخباراتي، والمراقبة الجوية الدقيقة، وسرعة الاستجابة للتهديدات المتحركة. وهنا تحديدا تظهر الفجوة التي كانت تسدها القدرات الأميركية، سواء من حيث التكنولوجيا أو البنية الاستخباراتية المتقدمة”.
لكن الجيش السوري قادر على سد هذا الفراغ تدريجيا، بشرط توافر أكثر من عنصر، من بينها تعزيز القدرات الاستخباراتية لمواكبة نمط الخلايا النائمة، وتنظيم العلاقة مع القوى المحلية المحيطة أيضا مثل “قسد”، باعتبارها جزءا من الدولة السورية، لضمان عدم حدوث فراغ أمني، ولا سيما أنها تمتلك معلومات كثيرة عن التنظيم، بحسب الفرحات.
وأكدت وزارة الخارجية والمغتربين، في بيانها تعقيبا على الانسحاب الأميركي من سوريا، “الالتزام الثابت بمكافحة تنظيم “داعش” وضمان عدم وجود ملاذات آمنة له في الأراضي السورية. وستواصل تكثيف العمليات العسكرية ضد التنظيم في جميع المناطق التي يهددها”، داعية “الولايات المتحدة والدول الأعضاء في التحالف الدولي إلى الانضمام إلى دعم جهود الجمهورية العربية السورية في مكافحة الإرهاب، بما يسهم في حماية المدنيين واستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة”.
ويضاف الانسحاب الأميركي الكامل من سوريا إلى إنجازات حققتها دمشق في وقت قياسي، إذ قالت الناشطة السياسية ميديا حمدوش إن الحكومة حققت بعض التقدم ضمن فترة قصيرة نسبيا لا تتجاوز عاما ونصف العام، خاصة على مستوى عمل وزارتي الخارجية والداخلية، موضحة أنه على المستوى الدبلوماسي هناك تحسن في الحضور وإعادة فتح قنوات التواصل، وأمنيا تم تحقيق درجة من الاستقرار في عدة مناطق، وهو أمر أساسي في مرحلة ما بعد التغيير.
أخيرا، فإن ما تحقق من إنجازات في مرحلة ما بعد التحرير يعد خطوات أولية في مسار إعادة بناء الدولة السورية واستعادة السيادة والحفاظ عليها، حيث لم يعد هناك وجود أجنبي على الأراضي السورية، بينما استعادت الحكومة كل الموارد ومقدرات البلاد، الأمر الذي سيساهم في معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية في المرحلة المقبلة، وهو ما يجب على الحكومة السورية وضعه في سلم أولوياتها لتثبيت الإنجازات والبناء عليها.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
