بقلم: الخبير الاقتصادي جورج خزام
يقوم الفكر الاقتصادي البنّاء على دعم الإنتاج الوطني وتعزيز قدرته على المنافسة، باعتباره الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي المستدام، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
فعندما يتم تصنيع سلعة محليًا بتكلفة 10 دولارات وبيعها للمستهلك بسعر 12 دولارًا، فإن ذلك يكون أكثر فائدة للاقتصاد الوطني من استيراد السلعة نفسها بتكلفة 8 دولارات وبيعها بسعر 10 دولارات، رغم الفارق الظاهري في السعر. ويعود ذلك إلى عدة أسباب جوهرية:
أولًا: زيادة الإنتاج وتشغيل اليد العاملة
يساهم التصنيع المحلي في تشغيل العاطلين عن العمل، وخلق مصادر دخل لعدد كبير من العاملين في مختلف حلقات الإنتاج والتوزيع والتسويق والخدمات المساندة، ما يؤدي إلى تنشيط الحركة الاقتصادية بشكل عام.
ثانيًا: تخفيض الطلب على الدولار
كلما ازداد الاعتماد على الإنتاج المحلي، تراجعت الحاجة إلى الاستيراد، وبالتالي انخفض الطلب على العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على استقرار سعر الصرف.
ثالثًا: دعم قيمة العملة الوطنية
إن زيادة الإنتاج المحلي وتوافر السلع الوطنية يعززان التغطية السلعية للعملة الوطنية، ما يساعد على الحفاظ على قيمتها الشرائية ويحد من الضغوط المؤدية إلى ارتفاع سعر الدولار.
إن زيادة الدخل وتشغيل العاطلين عن العمل تمثلان المحرك الأساسي لتوسيع الإنتاج، وزيادة عدد المصانع والورشات، وتحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية.
معالجة أسباب ارتفاع تكاليف الإنتاج
إذا كانت تكلفة الاستيراد أقل من تكلفة التصنيع المحلي، فإن ذلك يشير إلى وجود خلل اقتصادي ينبغي معالجته، وليس إلى التخلي عن الصناعة الوطنية. ويكون الحل من خلال تخفيض تكاليف الإنتاج المرتبطة بالكهرباء الصناعية، والمحروقات، والضرائب، ورسوم استيراد المواد الأولية، بما يحقق تقاربًا في التكاليف ويعزز القدرة التنافسية للمنتج المحلي.
هل يمكن للصناعة أن تنمو دون دعم؟
إن الدعوة إلى وقف دعم الصناعة بحجة بناء قطاع صناعي قوي “من دون عكازات” قد تؤدي عمليًا إلى إغلاق العديد من المصانع والورشات التي تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يفتح المجال أمام زيادة المستوردات وإضعاف المنتج الوطني.
وتؤدي هذه النتيجة إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتراجع النشاط الاقتصادي، وزيادة الطلب على الدولار، بما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني ككل.
تجارب النجاح الصناعي
إن العديد من المصانع السورية التي استطاعت الوصول إلى مرحلة التصدير ومنافسة المنتجات المستوردة حققت نجاحها بفضل سياسات داعمة للإنتاج، تمثلت في تخفيض تكاليف الطاقة والمحروقات، وتوفير الحماية المناسبة من المنافسة غير المتكافئة عبر الرسوم الجمركية أو الإجراءات التنظيمية اللازمة.
وقد أثبتت التجارب الاقتصادية في مختلف دول العالم أن الدعم الذكي والمؤقت للصناعة ليس عبئًا على الاقتصاد، بل استثمارًا في بناء قطاع إنتاجي قوي قادر لاحقًا على المنافسة والتوسع وخلق فرص العمل وزيادة الصادرات.
إن قوة الاقتصاد الوطني لا تُقاس بحجم المستوردات، بل بقدرته على الإنتاج والتشغيل والتصدير، وبمقدار القيمة المضافة التي يخلقها داخل الوطن لصالح الدولة والمجتمع معًا

(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

