رئيس التحرير:هيثم يحيى محمد
أكتب هذا المقال بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، مستندًا إلى تجربة شخصية أتيحت لي خلال مهمة صحفية استمرت شهرين في الولايات المتحدة عام 2004، غطيت خلالها الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونغرس بمجلسيه(الشيوخ والنواب). وخلال تلك الفترة، تعرّفت عن قرب إلى المجتمع الأميركي، واكتشفت مجتمعًا تشكّل من هجرات جاءت من مختلف أنحاء العالم. ويؤمن في غالبيته بالقيم التي قامت عليها بلاده.
وأبدأ من حقيقة مفادها أن الأمم الكبرى ليست بحاجة إلى الاحتفال بأعيادها الوطنية بقدر حاجتها إلى مراجعة نفسها. فالذكرى المئتان والخمسون لاستقلال الولايات المتحدة ليست مناسبة لاستعادة أمجاد الماضي فحسب، بل فرصة للتساؤل عمّا إذا كانت الدولة التي أعلنت، قبل قرنين ونصف القرن، أن البشر خُلقوا متساوين، وأن لهم حقوقًا لا يجوز انتزاعها، ما زالت وفيّة لتلك الرسالة التي جعلت منها نموذجًا ألهم العالم.
لقد لمعت الولايات المتحدة، عبر تاريخها، ليس لأنها كانت الأقوى عسكريًا أو الأغنى اقتصاديًا، بل لأنها نجحت في تقديم نفسها بوصفها مشروعًا سياسيًا وأخلاقيًا يقوم على الحرية، وسيادة القانون، والديمقراطية، واحترام الإنسان. وكانت هذه المبادئ هي مصدر قوتها الناعمة، والسلاح الأكثر تأثيرًا في حضورها العالمي، قبل أن تكون حاملات الطائرات أو الترسانة العسكرية.
ولعل ما ميّز التجربة الأميركية، رغم تناقضاتها، أنها لم تتوقف يومًا عن إنتاج أصوات ناقدة من داخلها؛ من الصحافة الحرة، إلى الجامعات، إلى القضاء، إلى المجتمع المدني. وهذه القدرة على النقد الذاتي كانت، في كثير من الأحيان، سببًا في تصحيح المسار أكثر من أي ضغط خارجي.
غير أن التجربة الأميركية، مثل تجارب الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر التاريخ، كشفت أن المبادئ كثيرًا ما اصطدمت بحسابات القوة. فكلما تعارضت القيم مع المصالح، كانت المصالح هي التي تنتصر في كثير من الأحيان. ومن هنا بدأت تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة، وبين المثال الذي بشرت به الولايات المتحدة والسياسات التي اتبعتها في محطات عديدة من العالم.
كم من حرب رُفعت فيها راية الحرية بينما كانت الحسابات الجيوسياسية هي المحرك الحقيقي؟ وكم من نظام استبدادي حظي بالدعم لأنه يخدم المصالح الأميركية؟ وكم من قضية تتعلق بحقوق الإنسان جرى التعامل معها بمعايير تختلف باختلاف الحليف والخصم؟ هذه الأسئلة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر إلحاحًا في عالم بات يرى التناقضات بوضوح، ولم يعد يكتفي بالشعارات.
من هنا تكتسب كلمات البابا لاوون الرابع عشر دلالة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية. فحين يدعو، وهو الأميركي المولد، بلاده إلى تجديد الالتزام بمبادئ إعلان الاستقلال، والتمسك بالوحدة والعدالة والسلام، فإنه يوجه نداءً أخلاقيًا إلى دولة تمتلك من القوة ما يجعل خياراتها تؤثر في مصائر شعوب بأكملها. ولذلك، لم تكن دعوة البابا لاوون الرابع عشر مجرد رسالة تهنئة في مناسبة وطنية، بل بدت وكأنها تذكير أخلاقي بأن الدول، مهما بلغت قوتها، لا تبقى عظيمة إلا بقدر وفائها للمبادئ التي قامت عليها.
وكأن البابا يقول إن مستقبل الولايات المتحدة لن يتحدد بقدرتها على فرض إرادتها، بل بقدرتها على استعادة صدقيتها.
قد تفرض الهيمنة واقعًا سياسيًا، لكنها لا تصنع شرعية أخلاقية، ولا تخلّد دولة في ذاكرة التاريخ. أما المبادئ، فإنها وحدها تمنح القوة شرعيتها. وكل تجربة تاريخية أثبتت أن الدول التي اعتمدت على التفوق العسكري وحده تراجعت عندما فقدت البوصلة الأخلاقية التي كانت تمنح نفوذها معنى.
العالم اليوم لا ينتظر من الولايات المتحدة مزيدًا من استعراض القوة، بل ينتظر منها أن تكون أكثر اتساقًا مع القيم التي طالما دعت الآخرين إلى تبنيها. فالحرية لا تكون حرية إذا أصبحت انتقائية، والعدالة لا تستقيم إذا خضعت لموازين المصالح، والسلام لا يمكن أن يتحقق إذا ظل رهينة موازين القوة وحدها.
بعد 250 عامًا على الاستقلال، يبقى السؤال الحقيقي: هل تريد الولايات المتحدة أن تُذكر بوصفها القوة الأعظم في عصرها، أم بوصفها الدولة التي استطاعت أن تجعل من القوة خادمةً للمبدأ لا بديلًا عنه؟
قد يكون هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجهها في قرنها الثالث. فالقوة يمكن أن تُخضع الآخرين، لكنها لا تكسب احترامهم إلا إذا اقترنت بالعدل. والنفوذ قد يرسم خرائط السياسة، لكنه لا يكتب صفحات التاريخ المضيئة إلا عندما يستند إلى قيم ثابتة. ولعل أعظم هدية يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة لنفسها في عيدها الـ250 هي أن تعود إلى الروح التي وُلدت منها، وأن تجعل من إعلان الاستقلال عهدًا متجددًا، لا وثيقة تاريخية تُستحضر في الاحتفال ثم تُنسى عند اختبار المصالح
فالولايات المتحدة لا تحتاج في عيدها الـ250 إلى استعراض قوتها، فالعالم يعرف حجمها. ما يحتاجه العالم، وما تحتاجه الولايات المتحدة نفسها، هو أن تثبت أن القوة لا تزال في خدمة المبدأ، وأن إعلان الاستقلال ليس وثيقة من الماضي، بل وعدٌ يتجدد مع كل جيل.

(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

