آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » المخاض والمولود الجديد في “اقتصاد علبة السجائر”: هكذا تفتح مجالس مدننا وبلدياتنا باب التنمية بالمال الصغير المتكرر..فهلّا نبدأ؟

المخاض والمولود الجديد في “اقتصاد علبة السجائر”: هكذا تفتح مجالس مدننا وبلدياتنا باب التنمية بالمال الصغير المتكرر..فهلّا نبدأ؟

بقلم : المهندس محمود محمد صقر

 

 

يُروى أن سليمان عليه السلام سأل نملة بعدما وضعها في صندوق:
— ماذا تحتاجين لعام كامل؟
قالت: حبتين من القمح.
أعطاها الحبتين وأغلق عليها الصندوق.
وبعد الشتاء فتحه، فوجد معها حبة واحدة.
قال لها: ألم تقولي إنك تحتاجين حبتين؟
قالت، بمعنى الحكاية:
— كنت أثق بك، أما وأنا في سجني فلا أعرف ماذا سيحدث، فاحتفظت بواحدة خوفًا من أن تنساني.
قد تكون الحكاية قديمة، وقد يكون فيها شيء من المبالغة، لكن النملة فهمت شيئًا بسيطًا جدًا:
لا تنفق كل ما لديك اليوم، واترك شيئًا للغد.
ولعلها، من دون أن تدري، كانت تشرح لنا أول قاعدة في الإنماء وإدارة المخاطر .

مجلس المدينة أولًا:
قبل أن نسأل المواطن: لماذا لا تساهم؟
علينا أن نسأل مجلس المدينة(أي مدينة) أولًا: ماذا لدينا؟
فخطط الإنماء عندنا تبدأ عادةً من الأوراق، وتنتهي أحيانًا عند الأوراق.
دراسة، ولجنة، واجتماع، وخطة خمسية، وخطة عشرية، وسهم جميل يصعد نحو المستقبل.
ثم ننزل إلى الشارع فنجد الحفرة في مكانها القديم.
ربما علينا أن نبدأ من مكان أكثر تواضعًا:
ماذا نملك، وماذا نحتاج، وكيف نربط الاثنين؟
لدينا أرض.
ولدينا حجر.
ولدينا شباب.
ولدينا عمال.
ولدينا أموال صغيرة تتكرر كل يوم.
ولدينا مدينة تحتاج إلى طرق وأرصفة وخدمات ومشروعات.
إذن ليست المسألة دائمًا أن نبحث عن المال.
أحيانًا علينا أن نسأل:
كيف نجعل المال الموجود يعمل؟
علبة السجائر تدخل إلى خطة الإنماء
اطلب من مواطن أن يدفع دولارين يوميًا لصندوق تنمية محلي، وستسمع محاضرة كاملة عن الغلاء، والراتب، والأولاد، والإيجار، والحكومة.
وكلها أسباب مفهومة.
لكن الشخص نفسه قد يدفع الدولارين نفسيهما لعلبة سجائر دون أن يعقد اجتماعًا مع نفسه.
لا دراسة جدوى.
لا لجنة مناقصات.
لا خبير اقتصادي.
لا حتى سؤال بريء من نوع:
«وماذا سأحصل مقابل هذا الاستثمار؟»
يدفع.
يشعل.
ينتهي الأمر.
وفي الصباح التالي يعيد العملية نفسها.
هنا لا نحتاج إلى مهاجمة المدخن.
بل نحتاج إلى النظر إلى قوة العادة والتكرار.
حسبة صغيرة تكشف رقمًا كبيرًا
لنفترض، فقط على سبيل المثال، أن عشرة آلاف شخص ينفق كل منهم دولارين يوميًا على السجائر.
نحن أمام:
20 ألف دولار في اليوم.
نحو 600 ألف دولار في الشهر.
ونحو 7.2 مليون دولار في السنة.
لا يعني ذلك أن هذه الأموال يمكن أو ينبغي أن تُسحب من أصحابها.
فالمال مالهم، والاختيار اختيارهم.
لكن الحسبة تكشف شيئًا مهمًا:
المبلغ الصغير عندما يتكرر، لا يعود صغيرًا.
وهنا يبدأ السؤال الإنمائي الحقيقي:
ماذا لو استطاع كل فرد، باختياره، أن يحوّل جزءًا صغيرًا من إنفاقه المتكرر إلى ادخار أو استثمار محلي؟
عندها لا تعود المسألة «تبرعًا للمدينة».
تصبح ملكية في شيء داخل المدينة.
ماذا تشتري علبة السجائر للمجتمع؟
علبة السجائر تشتري استهلاكًا ينتهي خلال ساعات.
أما المبلغ نفسه إذا دخل في مشروع، فقد يشتري آلة.
والآلة قد تشتري وقت عامل.
والعامل ينتج سلعة.
والسلعة تدخل السوق.
والسوق يولد دخلًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة:
ماذا لو تحولت نسبة صغيرة من الإنفاق اليومي المتكرر إلى رأس مال متكرر؟
قد لا نعرف النتيجة مسبقًا.
لكننا نعرف شيئًا واحدًا:
رأس المال لا يولد من مبلغ واحد ضخم دائمًا.
أحيانًا يولد من آلاف المبالغ الصغيرة التي قررت ألا تختفي.
من الحسبة إلى المنشرة
وهنا تأتي المنشرة.
ليس لأنها المشروع الوحيد، ولا لأنها الحل السحري.
بل لأنها مثال يمكن أن يراه الناس بأعينهم.
مدينة لديها الحجر.
ولديها أيدٍ عاملة.
وتحتاج إلى أرصفة وطرق وبلاط وحجر بناء.
فلماذا يخرج الحجر خامًا، ثم يعود إلينا منتجًا بسعر أعلى؟
ماذا لو كان جزء من رأس المال المحلي قادرًا على تمويل منشرة؟
آلة.
عمال.
إنتاج.
بيع.
ثم ربح يعاد استثماره.
ثم ورشة أخرى.
ثم نشاط آخر.
ثم وظائف جديدة.
وقد يتحول الحجر الذي كان يخرج من المدينة خامًا إلى رصيف يمشي عليه المواطن الذي ساهم في تمويل المشروع.
هنا تصبح الحسبة على الورق حجرًا في الشارع.
لكن المنشرة ليست إلا غيضًا من فيض.
فالحجر مجرد مثال.
يمكن أن تكون هناك ورشة غذائية، أو مصنع صغير، أو مشروع زراعي، أو نقل، أو تدوير، أو طاقة، أو صيانة، أو تدريب مهني، أو عشرات المشاريع التي تناسب موارد كل مدينة وحاجاتها.
المهم ليس اسم المشروع.
المهم أن يتحول المال الصغير المتكرر إلى أصل منتج.
مجلس المدينة ليس مصنعًا
وليس مطلوبًا من مجلس المدينة أن يصبح تاجر حجر.
وإلا احتجنا قريبًا إلى انتخاب رئيس بلدية يحمل رخصة قيادة رافعة شوكية.
دوره أهم من ذلك وأبسط:
أن يعرف موارد المدينة.
أن يحدد احتياجاتها.
أن يفتح المجال للمشروعات.
أن يضع القواعد.
أن يمنع الاحتكار.
وأن يجعل المواطن قادرًا على معرفة ما حدث بماله.
كم جمعنا؟
كم استثمرنا؟
ماذا اشترينا؟
ماذا أنتجنا؟
كم وظيفة نشأت؟
وهل نجح المشروع أم لم ينجح؟
المجلس يفتح الطريق، ولا يقود كل شاحنة فيه.
الغني والفقير في الطريق نفسه
قد يساهم الغني بألف.
وقد يساهم صاحب الدخل المحدود بعشرة.
ليست المشكلة أن تختلف الحصص.
المشكلة أن تتحول الحصة الكبيرة إلى نفوذ كبير.
فالعدل ليس أن يملك الجميع المقدار نفسه.
العدل أن يدخل الجميع من الباب نفسه.
أن تكون القواعد واحدة.
وأن يكون للمواطن الصغير مكان في المشروع، بدل أن يبقى إلى الأبد في مقعد المتفرج.
فحين يملك الفقير حصة صغيرة، لا يعود مجرد شخص ينتظر منحة.
وحين يساهم الغني، لا يصبح مالكًا للمدينة.
كلاهما يضع شيئًا في المكان نفسه.
وكلاهما يستطيع أن يقول: هذه مدينتي.
من «تبرع لمدينتك» إلى «امتلك جزءًا من مدينتك»
ربما هنا تبدأ النقلة الحقيقية.
لا نقول للناس:
أعطوا وانسوا.
بل:
ساهموا، وراقبوا، وامتلكوا.
ولا نقول للمجلس:
أنقذوا الناس.
بل:
افتحوا لهم فرصة أن يبنوا معكم.
فالتنمية ليست أن يأخذ الغني بيد الفقير ويقول:
«سأبني لك مدينتك.»
بل أن يقفا أمام مشروع واحد، بقواعد واحدة، ويقولا:
هذه مدينتنا، وهذا ما نستطيع أن نبنيه بأيدينا.
وهنا أيضًا يبدأ شيء آخر أهم من المال:
يبدأ الانتماء.
فالإنسان الذي لا يملك في مدينته إلا فاتورة وكيسًا من المشتريات، سيبقى مستهلكًا.
أما الإنسان الذي يملك حصة، أو يعمل في مشروع، أو يرى مصنعًا ساهم فيه، أو يمشي على رصيف خرج من دورة اقتصادية محلية، فقد بدأ يرى المدينة بعين مختلفة.
لم تعد «هم».
أصبحت:
نحن.
والمشاريع كزبد البحر
ولا ينبغي أن نحصر الحلم في منشرة حجر.
المنشرة مثال واحد فقط.
فإذا عرفنا كيف نجمع المال الصغير، ونضعه في مشاريع حقيقية، ونترك الإدارة لأهل الاختصاص، ونربط المشروع بحاجة المدينة، فإن المشاريع يمكن أن تصبح كزبد البحر.
مشروع يولد مشروعًا.
ووظيفة تولد طلبًا.
والطلب يخلق خدمة.
والخدمة تحتاج إلى عامل.
والعامل يحتاج إلى دخل.
والدخل يعود إلى السوق.
ثم تبدأ الدورة من جديد.
ليس المطلوب أن نبني مدينة كاملة في صباح واحد.
المطلوب أن نعرف كيف نولد المشروع الأول.
والنملة مرة أخرى
في نهاية الأمر، لا تحتاج النملة إلى خطة إنماء عشرية.
كان معها حبتان.
أكلت واحدة.
واحتفظت بواحدة.
كانت تعرف أن الغد لا يضمن نفسه.
وربما هذا ما نحتاج أن نتعلمه نحن أيضًا.
ليس أن نحرم أنفسنا من الحياة.
ولا أن نحول كل فنجان قهوة وكل علبة سجائر إلى اكتتاب.
بل أن نسأل عن الشيء الذي يختفي كل يوم:
هل يمكن أن يبقى منه شيء؟
دولار.
حبة.
حجر.
فكرة.
مهارة.
ساعة عمل.
أي شيء صغير يمكن أن يكون بداية.
فالمخاض لا يبدأ بالمولود.
يبدأ بشيء صغير جدًا لا يراه أحد، ثم يأتي يوم يصبح فيه ذلك الشيء مدينةً كاملةً تمشي على قدميها.

 

 

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هيئة المنافذ والجمارك تتابع أعمال تطوير البنية التحتية في مرفأ اللاذقية

اطلع وفد من الهيئة العامة للمنافذ والجمارك برئاسة معاون رئيسها لشؤون المنافذ تميم صواغي، على أعمال تطوير البنية التحتية في مرفأ اللاذقية وتفقد سير العمل ...