آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الرمان في الموروث الشعبي.. من اللؤلؤ في الأحاجي إلى الياقوت في الشعر

الرمان في الموروث الشعبي.. من اللؤلؤ في الأحاجي إلى الياقوت في الشعر

يحضر الرمان في الذاكرة الشعبية السورية بصور متعددة، تبدأ من الأحاجي والأقوال المتوارثة، وتمتد إلى العادات المرتبطة بتقديمه وحفظه، وصولاً إلى صوره في الشعر العربي، حيث تحولت حباته الحمراء وزهرته إلى عناصر للتشبيه والتعبير عن الجمال والرقة.

ومن أشهر الأحاجي الشعبية التي تصف الرمانة: «جواتها لولو وبراتها نحاسة»، في صورة تختصر العلاقة بين شكل الثمرة وما أثارته من خيال شعبي؛ فقشرتها الخارجية تشبه النحاس، بينما تبدو حباتها المتراصة في الداخل كاللؤلؤ.

ولا يقتصر حضور الرمان في الموروث على الأحاجي، بل يظهر أيضاً في الأقوال المتداولة، وفي دلالات الهدية والبركة، وفي طرق حفظ الثمرة وتحويلها إلى دبس، قبل أن ينتقل إلى الشعر بوصفه صورة للجمال واللون والرقة.

من اللؤلؤ إلى الحبة العاطلة

أوردت الكاتبة أحلام أبو زيد في مقالها «اتجاهات في جمع وحفظ التراث الشعبي السوري»، المنشور في مجلة «الثقافة الشعبية»، أحجية شعبية تقول: «طاسة ترن طاسة بالبحر غطاسة.. جواتها لولو وبراتها نحاسة»، وجوابها «الرمانة».

وتقوم الأحجية على وصف مكونات الرمانة بطريقة رمزية؛ فقشرتها الخارجية شُبّهت بالنحاس، بينما صُوّرت حباتها المتراصة في الداخل باللؤلؤ، لتتحول خصائص الثمرة إلى وسيلة للتخمين والتعرف إليها من خلال صفاتها.

ومن الأقوال التي يحفظها وائل شدود، البالغ 63 عاماً، «كل رمانة فيها حبة عاطلة»، للدلالة على غياب الكمال، وأن الجماعة أو الأسرة مهما عُرفت بالصلاح، قد تضم شخصاً ذا عيب.

ويستمد التعبير صورته من تفاصيل الثمرة، مستخدماً حبة واحدة للحديث عن فرد داخل جماعة، وفي قراءة القول، يصبح الاختلاف بين الحبات وسيلة لتقريب معنى اجتماعي من صورة يعرفها السامع.

معنى الهدية ومهارة المونة

ويربط الفلاح مناف رحابي الرمان بالحظ الطيب والبركة في بعض البيئات الريفية السورية، موضحاً أن تقديمه للضيوف أو إهداءه في المناسبات الاجتماعية يحمل دلالة كريمة تتجاوز قيمته الغذائية.

وتضع هذه الشهادة الرمان في سياق العلاقة بين المضيف وضيفه، أو بين مقدم الهدية ومتلقّيها؛ إذ تكتسب الثمرة معنى من المناسبة وطريقة تقديمها، وفق الرواية التي ينقلها رحابي.

ويحضر الرمان أيضاً في المونة المنزلية، حيث تصف فضة شحود من فرقة إحياء التراث في دير ماما بحماة، صناعة دبس الرمان بأنها ممارسة متوارثة عن الآباء والأجداد، وتشير إلى استمرار عدد من أهالي القرية في العمل بها، وتشرح مراحل تبدأ بالقطاف واستخراج الحبات والعصر، وصولاً إلى غلي العصير ومراقبته حتى يتكاثف، فتظهر في شهادتها المعرفة العملية المصاحبة لتحويل الثمرة إلى مونة.

ياقوت الثمرة ورقّة الزهرة

في الشعر العربي، استمد الشعراء من الرمان صوراً تقوم على اللون والشكل، حيث يورد علي بن ظافر الأزدي في كتاب «غرائب التنبيهات على عجائب التشبيهات» أبياتاً للشاعر العباسي كشاجم يشبّه فيها الرمانة بوعاء، وحباتها بعد فتحه بفصوص الياقوت.

ويورد الكتاب أيضاً أبياتاً للمأموني يصور فيها استخراج الحبات من الثمرة كاستخراج الجواهر، ثم يشبّه تساقطها بالياقوت الأحمر، وتقوم الصورة على الجمع بين حركة اليد ولون الحبات، فتمنح فعل تفتيت الرمانة مشهداً شعرياً.

وتلتقي هذه الصور مع اللؤلؤ في الأحجية الشعبية عند تشبيه الحبات بالجواهر، مع اختلاف غرض النصين: الأحجية تخفي اسم الثمرة ليتعرف إليه السامع، والشعر يصرح بها ويعيد وصفها بما يبرز جمالها.

أما نزار قباني فيستحضر الزهرة في قصيدة «ماذا ستفعل» من ديوان «الرسم بالكلمات»، بقوله: «زهرة الرمان ليست تتحمل»، في سياق غزلي يجعلها صورة للرقة، وهنا ينتقل الاهتمام من الحبات إلى الزهرة، ويأتي معناها من سياق القصيدة نفسها.

تعددت وجوه حضور الرمان بين أحجية تخفي اسم الرمانة، وقول يستعير حباتها للحديث عن الناس، ومهارة تحول عصيرها إلى دبس، لتكشف هذه الشواهد كيف يجد الخيال الشعبي والشعري في تفاصيل الثمرة صوراً للتعبير، بينما تحفظ الممارسة المنزلية معرفة يتناقلها من يعملون بها.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_سانا

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كورال “ست الكل” يحيي روائع محمد الموجي على مسرح ثقافي طرطوس

  استضاف المركز الثقافي العربي في طرطوس، مساء اليوم السبت، أمسية موسيقية أحياها كورال “ست الكل” بقيادة المايسترو إيناس لطوف، احتفاءً بإرث الموسيقار والملحن الراحل ...