حاورها: علي نفنوف
في مطلع تشرين الأول من عام 2026، احتضنت بغداد فعاليات «مهرجان مئوية الرواد» على خشبة مسرح الرشيد، لتكرّم الدولة رسمياً مرور مئة عام على ولادة أعمدة الحداثة الشعرية العربية: بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري.
وتحمل هذه المئوية في طياتها مفارقة تاريخية صارخة؛ فهؤلاء الشعراء الذين عاشوا حياتهم في خصام وعداوة مستمرين مع الحكومات والأنظمة، وتجرّعوا مرارة الاضطهاد والتشريد والنفي، تُفتح لهم اليوم قاعات المؤسسات الرسمية ذاتها التي طاردتهم بالأمس. إنه انتصار إرث الإبداع الإنساني الذي بقي خالداً بعد أن رحل الطغاة، لتجد السلطة نفسها مجبرة على الانحناء أمام سلطة الكلمة بحثاً عن شرعية ثقافية.
وفي ظلال هذه المفارقة، ووسط أجواء هذا الاحتفاء الرسمي بشاعر مات غريباً ومحرومًا، ينفرد مقالنا بهذا الحوار الاستثنائي العابر للمسافات والأثير، والذي نجريه بكل فخر واعتزاز مع السيدة آلاء بدر شاكر السياب، الابنة البارّة وحارسة إرث شاعر العراق والأمة الأكبر. ومن مكمن الضوء في «دبي» إلى نبض النخيل والسياب في «البصرة»، تخطّينا حدود الجغرافيا لنحاورها حول هذه المناسبة التاريخية، عبر تقنيات البعد الجغرافي.
وقد طرحنا عليها السؤال الأبرز الذي يتبادر إلى أذهان الكثيرين:
*بعد عقود من الغربة والاضطهاد والنفي الذي عاشه والدكِ الراحل بسبب مواقفه وقصائده، كيف تنظرين اليوم، كابنة للسياب، إلى هذا الاحتفال والاحتفاء الرسمي من قِبل الدولة؟
وما هي القواسم المشتركة بين الشعراء الثلاثة؟
**فتحدثت السيدة آلاء بنبرة يملؤها الفخر والوعي التاريخي، قائلة:
«أنظر إلى مئوية العمالقة الثلاثة في بغداد، عاصمة الثقافة والتاريخ، بوصفها أكثر من احتفاء بذكرى ولادة ثلاثة شعراء؛ إنها احتفاء بمرحلة مفصلية غيّرت وجه القصيدة العربية، وأعادت إليها قدرتها على التعبير عن الإنسان في قلقه وانكساراته وأحلامه.
أما القاسم المشترك بين بدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، فهو أنهم أبناء مرحلة عراقية استثنائية، آمنوا بأن الشعر ليس ترفاً لغوياً، بل موقف من الحياة، وصوت للحرية، ومحاولة دائمة لتجاوز السائد وفتح آفاق جديدة أمام القصيدة. جمعهم التمرّد على القوالب التقليدية، وإن اختلفت طرائقهم في التعبير ورؤاهم وتجاربهم الشعرية.
كان لكل واحد منهم صوته الخاص وعالمه الشعري؛ فالسيّاب حمل في قصيدته وجع الإنسان والوطن، واستحضر جيكور لتصبح مكاناً في الذاكرة الإنسانية، والبياتي اتسعت تجربته لأسئلة المنفى والثورة والإنسان، أما بلند الحيدري فكانت له نبرته الخاصة في التعبير عن القلق الوجودي والاغتراب وأسئلة الذات. وما يجمعهم في النهاية ليس تشابه القصائد، بل شجاعتهم في تغيير شكل القصيدة العربية وروحها.
أما أن يأتي هذا التكريم من جهة حكومية، بعد زمن كانت فيه السلطة، في بعض مراحلها، تضيق بالشعر والشعراء، وتتعامل مع الكلمة الحرة بوصفها مصدر قلق، فهذه مفارقة تستحق التأمل. لكنني أرى فيها أيضاً دلالة مهمة: قد تختلف السلطات وتتبدل المواقف، وقد يُحاصَر الشاعر في حياته، لكن القصيدة التي تحمل الحقيقة لا تموت، ولا تستطيع أي سلطة أن تصادر مستقبلها إلى الأبد.
وأجد في هذه المبادرة خطوة تستحق التقدير، لأن الاعتراف المتأخر أفضل من استمرار التجاهل، ولأن واجب المؤسسات اليوم لا يقتصر على تكريم الرموز في المناسبات، بل يمتد إلى صيانة إرثهم، وحفظ آثارهم، وإتاحتها للأجيال الجديدة، وترسيخ حرية الإبداع التي لا يزدهر الشعر من دونها.
وبالنسبة إليّ، فإن هذه المئوية تحمل معنى شخصياً وإنسانياً عميقاً؛ فأنا لا أحضرها بوصفي ابنة بدر شاكر السيّاب فحسب، بل بوصفي ابنة العراق التي ترى في تكريم هؤلاء الرواد تكريماً لجزء أصيل من ذاكرة الوطن وهويته.
إن أجمل ما يمكن أن نقدمه لهؤلاء العمالقة ليس أن نستعيد أسماءهم مرة كل مئة عام، بل أن نمنح الشعر الذي آمنوا به المكانة التي يستحقها، وأن نتذكر أن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالكلمة الحرة أيضاً. فالسلطة قد تملك قرار التكريم، لكن التاريخ وحده هو الذي يمنح الخلود، وقد منح هؤلاء الشعراء مكانتهم قبل أن تأتي أي جهة لتحتفي بهم».

(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
