أحمد جاسم الحسين
دون مقدمات، وفي لحظة شوق إلى أمي، ومن غير تحضير مسبق، عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، قلت لابني: هيا! لم تكن المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي أسلك فيها طريق دمشق_ديرالزور، متوجهاً إلى يديْ والدتي، حيث الأمان الذي لا يشبهه أمان. بَيْد أن الوصول إلى ذلك الأمان يحتاج إلى الشعور بالأمن، فكيف يستطيع الإنسان أن يقطع نحو خمسمئة كيلومتر، معظمها وسط البادية، إذا كان عليه أن يخشى الطريق؟
كان الطريق في سنوات سابقة جزءاً من حكايتنا مع الخوف السوري، حيث كان المسافر يحسب المسافة بعدد الحواجز، واحتمالات التوقيف والموت، والمفاجآت التي قد تنتظره، والأسئلة التي قد يُضطر للإجابة عنها، وربما بالأموال التي سيدفعها رشى كي يصل إلى وجهته!
سيقول قائل: لا تقارن سوريا الجديدة مع أيام النظام فأي مقارنة ستكون معروفة إجابتها مسبقاً.. يمكنني أن أجيب بسرعة: وهل الإنسان إلا ابن تجاربه وما شاهد ورأى؟
للطريق في الذاكرة السورية معنى يتجاوز الانتقال بين مدينتين، فقد كان، في أزمنة كثيرة، اختباراً لعلاقة المواطن بالسلطة، وقد عايشت عبر هذا الطريق عدداً مختلفاً من الحواجز حيث تتبدل اللغة، ويصبح السؤال عن الهوية محملاً باحتمالات لا يعرف صاحبها أين تنتهي، وقد مر كل شخص فيه بتجربة خاصة: الشاب يخاف من العسكرية، والمرأة تخاف إن كان شعرها مكشوفاً أو العكس، تبعاً لأنواع السلطات التي مرت من هنا!
إدارة أمن الطرق مؤسسة جديدة في سوريا كانت تقوم بمهامها شرطة المرور، وغالباً ما تتولى أمن الطرق بين المحافظات، لذلك لديهم القدرة على تشكيل ذاكرة جديدة بين الدولة والمواطن، فلا يمكن لأحد أن يقارنهم بسمعة شرطة المرور في مرحلة النظام البائد، ولئن كانت شرطة المرور فيما سبق لديها مراكز ثابتة ومن الصعب أن تكون سياراتها في حالة صلاحية (كما تعلمون)، إلا أن أمن الطرق اليوم لديه سيارات حديثة وهو يتخذ من التجول عبر الطرق مكان عمل له، يبعث في المسافرين الشعور بالطمأنبنة وراحة البال.
عبر وسائل التواصل الاجتماعي ثمة منشورات تتحدث عن مساعدتهم للمسافرين، وأخرى تنعي بعضهم حين يتعرضون للاعتداء أو الاغتيال. وتجد صوراً لدوريات تقف إلى جانب سيارات تعطلت، أو تساعد عابرين تقطعت بهم السبل.
نعم سيقول أصدقاء: هذه الأعمال مألوفة في بلدان اعتاد مواطنوها حضور المؤسسات العامة في حياتهم اليومية، لكنها في الحالة السورية تحمل معنى إضافياً، لأنها تأتي بعد سنوات طويلة اضطربت فيها علاقة المواطن بمن يفترض أنهم مسؤولون عن أمنه، وكل منا قادر على استحضار أمثلة كثيرة مما رأى وسمع وشاهد!
تخيلوا عائلة تعطلت سيارتها في منتصف الليل، أطفال بدؤوا بالبكاء، وأم تنظر إلى الطريق الخالي منتظرة سيارة عابرة. في تلك اللحظة لن تنشغل العائلة بالنظريات السياسية أو المعارض والموالي، يكفي أن تأتي دورية من أمن الطرق، وتسأل: ما المشكلة؟
قد يكون الأمر إصلاحاً بسيطاً، أو اتصالاً بجهة تستطيع نقل السيارة، أو تأمين المكان حول حادث مروري، إنها دقائق معدودات لكنها تبقى سنوات في الذاكرة وسيقصّها الآباء للأبناء! تلك التفاصيل الصغيرة جزء من سردية البلد الجديدة، التي سترمم الكثير من صور البنزين المغشوش أو مواكب سيارات التاهو أو سواها.
ما المؤسسات الأمنية؟ -استجابة لأصدقائنا الذين لا يريدون مقارنة ما يحدث في سوريا الجديدة مع النظام البائد- هي الاستجابة لحاجات الناس، بل سرعة الاستجابة، والشعور أن هذه الدورية أو تلك مصدر حمايتي وليس مصدر خوفي، وشتان.. شتان!
ليس أمراً قليلاً أن يشعر السوري بأن هناك جهة عامة تستجيب له، دون أن يسأل نفسه عن الثمن الذي سيدفعه! فقد تعب السوريون من دفع الأثمان الفردية (هل تذكرون)، ومن البحث عن حلول شخصية لمشكلات يفترض أن تتولاها المؤسسات، ومن الاستعانة بالمعارف في أمور تتصل بحقوقهم الأساسية!
ومن الإنصاف أن نتذكر أن رجال أمن الطرق يعملون أحياناً في ظروف قاسية، على طرق طويلة تفتقر إلى الإنارة والخدمات والاتصالات الجيدة، وفي مواجهة مخاطر أمنية ومرورية ملفتة. يقول صديق لي: كنت قد أصبت بالتعب نتيجة السفر الطويل، وحين اقتربت من إحدى الدوريات لم أنتبه لها على الطريق الصحراوي، فتوقفتُ فجأة: مازحني الشباب بالقول: خفنا منك يا رجل، من الجيد أنك لم تدهسنا! خجلت منهم وقلت: أعتذر، قالوا لي تفضل اشرب القهوة ثم: استعن بالله!
حين نقرأ خبراً عن مقتل أحد عناصر أمن الطرق، أو إصابته أثناء أداء واجبه، سنترحم عليه، ولن يفوتنا أن نتذكر أن وراءه عائلة تنتظر عودته، وأماً تجهز له طبخته المفضلة، لكنه هذه المرة لن يعود! ثمة إجماع سوري اليوم ، وما أصعب أن يجمع السوريون اليوم على أمر. تقدير هؤلاء الرجال يحتاج إلى آليات واضحة وعقوبات رادعة لمن يعتدي عليهم!
محو الكثير من الذاكرة السلبية المشكَّلة بين السلطة والمواطن أمن الطرق أحد وجوهه، ولعله من المهم أن يتحرك الوجدان السوري ليتظاهر ويعبر ويشارك في عزاء شهداء الواجب من يحمون أمننا، إنهم هؤلاء الذين يلغون المسافة بين حاجتنا لهم حين يمر معنا موقف أثناء السفر، والاستجابة السريعة والشعور بالأمن حين يحضرون!
في الطريق إلى أمي، أتذكر أن ملايين السوريين يمرون عبر هذا الطريق، وكل واحد منهم له غايته: هذا يذهب إلى عمله، وذاك يحمل مريضاً إلى مستشفى، وآخر يعود من غربة وقد وضع كل عفشه على ظهر باص صغير!
في تلك الليلة، حين قلت لابني: «هيا»، كنت أفكر في يدي أمي اللتين أنتظر الوصول إليهما، واليوم أفكر أيضاً في أولئك الذين يقفون على امتداد الطريق، بعيداً عن بيوتهم وأمهاتهم وأطفالهم، لكي يستطيع الآخرون الوصول إلى من يحبون! ما نتمناه لأنفسنا؛ نتمناه كذلك لهؤلاء الرجال، بعد أن يساعدوا العابرين على الوصول إلى بيوتهم، أن يعودوا هم أيضاً، بعد انتهاء نوبات عملهم، سالمين إلى أمهاتهم وأطفالهم.
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

