من اضطراب آلاف الرحلات وإعادة تموضع الطائرات إلى تهديد منشآت النفط وتراجع شهية السفر والاستثمار، تتسع التداعيات الاقتصادية للهجمات الحوثية على السعودية. وبين خسائر تشغيلية مباشرة ومخاطر استراتيجية أبعد مدى، يبقى النفط القطاع الأكثر حساسية لأي تعطّل مستدام في الإنتاج أو التصدير.
لا تقتصر الكلفة الاقتصادية للهجمات الحوثية على الأضرار التي تلحق بالمنشآت أو الخسائر الناجمة عن توقف الرحلات، بل تمتد إلى التأمين والنقل والسياحة وقرارات المستثمرين. فكلما طال أمد التهديدات، ارتفعت كلفة إدارة المخاطر، واضطرت الشركات إلى تعديل عملياتها وخططها، حتى في غياب أضرار مادية جديدة.
وتكشف التطورات الأخيرة تفاوتاً واضحاً في حجم التداعيات بين القطاعات السعودية: الطيران يسجل الاضطرابات التشغيلية الأكثر وضوحاً، والنفط يواجه المخاطر الأكبر على الإيرادات والصادرات، فيما قد تظهر الكلفة الأبعد مدى في ثقة المستثمرين واستمرارية الأعمال.
الطيران في الواجهة: آلاف الرحلات تحت الضغط
تعكس بيانات شركة «سيريوم» المتخصصة في تحليل حركة الطيران حجم الاضطراب الذي أصاب الرحلات المغادرة من المطارات السعودية. فبين 8 و14 تشرين الأول/أكتوبر، أُلغيت أو صُنّفت بأنها غير مشغّلة 3129 رحلة من أصل 7705 رحلات مجدولة، أي نحو 40.6%، وفق رصد أُنجز مساء 13 تشرين الأول وشمل الرحلات المقررة لليوم التالي.
وبلغت الاضطرابات ذروتها في 12 تشرين الأول، حين تأثرت 632 رحلة من أصل 1048، بنسبة تجاوزت 60%.
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن ست طائرات تضررت، بقيمة تأمينية إجمالية تقارب 375 مليون دولار. كما انخفض عدد الطائرات الموجودة في مطار الملك خالد الدولي بالرياض من 134 إلى 38 طائرة بحلول الأربعاء، وفق التقرير.
وتسعى شركات إلى إعادة تموضع طائراتها بعيداً عن مناطق الخطر، في خطوة تعكس حجم المخاوف الأمنية والتأمينية. غير أن قيمة الطائرات المعرضة للمخاطر أو المنقولة إلى مطارات أخرى لا تعني، بحد ذاتها، تسجيل خسائر مالية بالقيمة نفسها؛ إذ تتحدد الخسارة الفعلية وفق حجم الأضرار والتعويضات التأمينية وكلفة إعادة التشغيل.
وتزداد الضغوط مع احتمال ارتفاع أقساط التأمين على مخاطر الحرب عند تجديد الوثائق، فضلاً عن تكاليف تغيير المسارات وإعادة جدولة الرحلات وتعويض المسافرين.
وامتدت التداعيات إلى خطط التوسع، إذ أجّلت شركة «دلتا» الأميركية إطلاق رحلاتها المباشرة بين أتلانتا والرياض من 23 تشرين الأول/أكتوبر إلى آذار/مارس 2027، فيما علّقت شركات دولية أخرى رحلاتها إلى المملكة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى حجم سوق الطيران السعودية، التي استقبلت 140.9 مليون مسافر خلال عام 2025، بينهم 75.8 مليون مسافر على الرحلات الدولية. واستحوذ مطار الملك خالد الدولي وحده على 40.8 مليون مسافر، وفق الهيئة العامة للإحصاء.
ولا تقتصر خسائر اضطراب الطيران على شركات النقل والمطارات، بل تمتد إلى الفنادق ووكالات السفر والنقل البري والمطاعم وخدمات الشحن. كما أن تأجيل الرحلات أو إلغاءها قد يبدد جزءاً من الإنفاق السياحي المتوقع، ويؤثر في قدرة المملكة على استقطاب الزوار والفعاليات الدولية.
وبلغ إنفاق السياح المحليين والوافدين نحو 304 مليارات ريال، أي ما يعادل 81.1 مليار دولار، خلال 2025، منها 176.6 مليار ريال أنفقها القادمون من الخارج. ويجعل هذا الحجم من الإنفاق أي تراجع مستمر في حركة الزوار عاملاً مؤثراً في مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية.
النفط: الخطر الأكبر على الإيرادات والصادرات
إذا كان الطيران يتحمل الجزء الأكثر وضوحاً من الاضطراب التشغيلي، فإن قطاع النفط يظل الأكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، نظراً إلى دوره المحوري في الإيرادات العامة والصادرات السعودية.
وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر، ألحق هجوم على المقر الإداري لشركة «أرامكو» في الظهران أضراراً بعدة طوابق، فيما استمرت عمليات الشركة بصورة طبيعية، وفق مصادر نقلت عنها «رويترز».
وتكشف هذه الواقعة، إلى جانب استهداف محطة ضخ على خط الأنابيب السعودي شرق-غرب بمسيّرات في أيلول/سبتمبر الماضي، مدى حساسية البنية التحتية للطاقة. ففي الحالة الأخيرة، تضررت إحدى محطات الضخ، قبل استئناف العمليات خلال أيام.
وفي حديثه إلى «رويترز»، قال الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو»، أمين الناصر، إن الشركة عززت فرق الاستجابة السريعة ومخزون قطع الغيار، وباتت تستخدم المسيّرات لتقييم الأضرار، مشيراً إلى أن نحو 90% من المواد اللازمة للإصلاحات تُنتج محلياً أو تُخزّن في مستودعات قريبة.
وتزداد أهمية حماية البنية التحتية النفطية في ظل اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، وما يرافقها من ضغوط على طرق نقل الخام. ويتيح خط الأنابيب شرق-غرب نقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، بما يوفر بديلاً جزئياً عن المرور عبر المضيق، لكن التهديدات للملاحة قرب باب المندب تفرض مخاطر إضافية على هذا المسار.
وبحسب الناصر، تدرس «أرامكو» خيارات أخرى للتصدير في مواجهة هذه التحديات.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن تعطّل منشأة حيوية أو مسار تصدير رئيسي لفترة طويلة قد يتجاوز أثره خسائر الشركات المباشرة، ليطال تدفقات النقد الأجنبي والإيرادات الحكومية والإمدادات العالمية وأسعار الطاقة. لكن حجم الضرر يظل مرتبطاً بمدى اتساع الهجمات ومدتها، وبقدرة المملكة على حماية المنشآت وتحويل الإمدادات إلى مسارات بديلة.
وفي المقابل، فإن سرعة إصلاح الأعطال واستمرار الإنتاج والتصدير تحدّان من الخسائر، ما يجعل التمييز ضرورياً بين تهديد البنية التحتية وتحقق خسارة فعلية في الإنتاج أو الإيرادات.
الاستثمار والسياحة: كلفة تتراكم مع استمرار المخاطر
قد تكون التداعيات على الاستثمار أقل ظهوراً من الأضرار المادية، لكنها لا تقل أهمية على المدى الطويل. فالمخاطر الأمنية ترفع تكاليف التأمين والحماية، وتزيد صعوبة تنقل الموظفين والمديرين، وقد تدفع الشركات إلى تأجيل بعض الاجتماعات والفعاليات أو إعادة النظر في خططها التشغيلية.
وأفادت تقارير بأن مؤسسات مالية دولية، بينها «جيه بي مورغان» و«دويتشه بنك» و«سيتي»، أتاحت لموظفيها في المملكة العمل من المنازل، فيما أغلقت شركة «فرانكلين تمبلتون» الأميركية للاستثمار مكتبها في الرياض مؤقتاً.
كما أشارت «رويترز» إلى توجه لإتاحة المشاركة عن بُعد في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، المقرر بين 26 و29 تشرين الأول/أكتوبر، بعدما أعاد بعض المشاركين النظر في خطط سفرهم.
وامتدت التداعيات إلى الرياضة، مع إعلان تأجيل بطولة السعودية الدولية للغولف إلى أجل غير محدد في 16 تشرين الأول/أكتوبر، بعدما كان مقرراً إقامتها بين 18 و21 تشرين الثاني/نوفمبر، بجوائز تبلغ خمسة ملايين دولار.
وتكتسب هذه التطورات دلالة خاصة في ظل مساعي السعودية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتنويع الاقتصاد ضمن «رؤية 2030». فاستمرار المخاطر قد يؤثر في قرارات الشركات المتعلقة بتوقيت تنفيذ المشاريع، وحجم الإنفاق، وتوزيع الموظفين والأصول، حتى إذا لم يؤدِّ مباشرة إلى إلغاء الاستثمارات.
ومع ذلك، لا يعني تأجيل فعالية أو اعتماد العمل عن بُعد أن الاستثمارات قد انسحبت بالفعل. فالأثر طويل الأجل يتوقف على مدة التصعيد، ومدى تكرار الهجمات، وقدرة السلطات والشركات على ضمان أمن العاملين واستمرارية الخدمات.
أين تقع الخسارة الأكبر؟
تختلف الإجابة باختلاف معيار القياس. ففي الوقت الراهن، يبدو قطاع الطيران الأكثر تعرضاً للاضطراب التشغيلي المباشر، مع إلغاء آلاف الرحلات وإعادة توزيع الطائرات وتأجيل خطوط جوية جديدة، فضلاً عن الضغوط المحتملة على التأمين والسياحة والخدمات المرتبطة بالسفر.
أما النفط، فيحمل الخطر الأكبر على الاقتصاد السعودي إذا امتدت الهجمات إلى تعطيل الإنتاج أو محطات الضخ أو طرق التصدير لفترات طويلة. فالخسارة المحتملة هنا لا تقتصر على شركة أو قطاع، بل قد تمتد إلى الإيرادات العامة والصادرات واستقرار الإمدادات.
وفي المقابل، قد تكون كلفة تراجع الثقة الاستثمارية الأبطأ ظهوراً والأطول أثراً، خصوصاً إذا تحولت المخاطر المؤقتة إلى عامل دائم في حسابات الشركات الأجنبية.
وبذلك، لا تُقاس الكلفة الاقتصادية للهجمات الحوثية بقيمة الطائرات المتضررة أو عدد الرحلات الملغاة وحدهما، بل أيضاً بكلفة التأمين والحماية، والإنفاق السياحي الذي قد يتراجع، والأعمال التي قد تتأجل، ومدى استمرار تدفق النفط عبر المسارات المتاحة.
الخلاصة أن الطيران يتحمل الخسارة التشغيلية الأكثر وضوحاً، فيما يبقى النفط نقطة الضعف الاقتصادية الأكثر حساسية، ويظل الاستثمار الاختبار الأهم لقدرة السعودية على احتواء التداعيات ومنع تحول المخاطر الأمنية إلى كلفة اقتصادية طويلة الأمد.
اخبار سوريا الوطن-أ ف ب -رويترز -النهار-وكالات
syriahomenews أخبار سورية الوطن

