حيدره دبرها
في زمن تسارعت فيه إيقاعات الحياة ، نادراً ما يتوقف الإنسان ليلتقط أنفاسه ويتساءل عن حقيقة ما يملكه. ربما يكمن السر كله في عبارة عميقة وموجزة تعيد ترتيب الأولويات من جديد: “إذا أردت أن تعلم بنعم الله عليك، فعليك بزيارة المشافي والمقابر”.
ليست هذه المقولة مجرد حكمة تقليدية، بل هي دعوة لجولة ميدانية قاسية ولكنها ضرورية في أعمق محطات الوجود الإنساني؛ حيث تتكشف الحقائق عارية بلا رتوش.
المحطة الأولى: أروقة المشافي… ثمن العافية المؤجل
عندما تخطو أول خطوة داخل أقسام الطوارئ أو العناية المركزة في أي مستشفى، يتغير إيقاع العالم من حولك فوراً. هناك، حيث تختلط أصوات الأجهزة الطبية بأنفاس المرضى المتعبة، تدرك بوضوح تام المعنى الحقيقي لمقولة “العافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى”.
*أنفاس بلا ثمن: طفل يصارع الألم، وشيخ مسن يطلب جرعة هواء واحدة، ومريض يعجز عن تحريك أطرافه أبسط حركة.
*سقوط الماديات: في هذه اللحظات، تتهاوى جميع الهموم الوظيفية والمادية، ولا يتبقى سوى أمنية واحدة يتفق عليها الجميع: استعادة الصحة والعافية.
المحطة الثانية: صمت المقابر… الحقيقة التي لا رجعة فيها
أما المقابر، فهي المحطة الأكثر صمتًا ورهبة، لكنها الأشد بلاغة. بين صفوف الشواهد الممتدة في الأرض، تتلاشى كل النزاعات والسباقات الدنيوية العابرة.
*نهاية القصص: هناك، ينام من كان يخطط لألف غد، ومن كان يشكو ضيق ذات اليد، ومن كان يحمل في صدره هماً ظنه لا ينتهي.
*بساطة الوجود: تُذكرنا المقابر بأن كل ما نحمله من مشاحنات وتوتر ليس سوى تفاصيل صغيرة، وأن مجرد الاستيقاظ في الصباح، وشرب كوب ماء دافئ، ورؤية من نحبهم، هي نعم عظيمة لا يُقدر ثمنها بالمال.
إن زيارة المشافي والمقابر ليست دعوة للتشاؤم أو اجترار الأحزان، بل هي صدمة إيجابية للاوعي؛ جرعة مكثفة من اليقظة تبدد غبار التذمر، وتدفع الإنسان ليفتح عينيه على كنوز خفية يغفل عنها طوال سنين عمره: البصر، السمع، الحركة، والقدرة على التنفس بحرية.
ربما يحتاج كل منا بين الحين والآخر إلى هذه الرحلة القصيرة، لا لشيء.. إلا ليعود إلى بيته، ويضع جبهته على الأرض ساجداً وباراً بكل النعم التي بين يديه.
والسؤال الأهم ؟
هل تفكر في تخصيص وقت قريب لزيارة إحدى هذه المحطات لإعادة شحن طاقتك النفسية وتقدير نعم حياتك ؟
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

