بقلم: المهندس محمود محمد صقر
قرأت ما كتبه الزميل محمد الخطيب في موقع «أخبار سوريا الوطن» عن كثرة الترقيع التشريعي، فاستوقفتني فكرته، ووجدتني أبحث عن سؤال يسبقها:
إذا كانت لدينا قوانين تنظّم شؤون الدولة والمجتمع، فلماذا نحتاج في كل مرحلة إلى مزيد من التعديلات والتعاميم والتوجيهات؟ وهل تكمن المشكلة دائمًا في القانون، أم أحيانًا في الطريقة التي تُدار بها الدولة على هامشه؟
وللتوضيح، لست محاميًا ولا من أصحاب الاختصاص القانوني، بل مهندس يتأمل في شؤون الإدارة والمؤسسات من واقع التجربة. وأترك لأهل الاختصاص تدقيق التفاصيل، مكتفيًا بطرح الأسئلة التي قد تفتح نافذة!
يُحكى أن موظفًا سأل مديره عن قانون ينظّم عمله، فأجابه: «القانون موجود، لكن انتظر التعميم الذي يشرح كيفية تطبيقه!».
انتظر الموظف، فجاء تعميم يفسّر التعميم، وتوجيه يوضح التوجيه، واستثناء يحدد الحالات التي لا تنطبق عليها التعليمات!
وبعد طول انتظار، اكتشف أن معاملته تحتاج إلى قانون وتعميم وتوجيه، وربما إلى موظف يتذكر أين وضعوا التعميم الأول!
وهكذا، بدلًا من أن يختصر القانون الطريق، أصبح الطريق يحتاج إلى قانون!
.*القانون موجود… لكن لمن الأولوية؟
لم تكن سورية تفتقر إلى القوانين. فكثير من تشريعاتها الأساسية يعود إلى مراحل سابقة، وتأثرت منظومتها القانونية بالقوانين الفرنسية، إلى جانب مصادر أخرى. فقوانين العقوبات والمدني والتجاري، مثلًا، تعود أصولها إلى عام 1949، ولم يضعها النظام السابق من الصفر، وإن عدّل بعضها خلال العقود اللاحقة.
لكن المشكلة لم تكن في النصوص وحدها؛ فقد أسهمت مركزية القرار وضعف المساءلة وتداخل النفوذ السياسي والأمني مع عمل المؤسسات في إضعاف مرجعية القانون في حالات كثيرة.
كان المواطن يسأل: ماذا يقول القانون؟ لكن السؤال الذي قد يختصر الطريق يصبح: ماذا يريد المسؤول؟
الأول يجمع أوراقه وينتظر دوره، والثاني يبحث عن اتصال هاتفي، والثالث يعرف شخصًا يعرف شخصًا يستطيع سؤال شخص آخر!
حين يصبح الاستثناء أسهل من القاعدة، يتساوى المواطنون أمام النص، لكنهم لا يتساوون بالضرورة أمام تطبيقه.
وليس كل تعميم مخالفًا للقانون؛ فالتعاميم ضرورة إدارية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول من وسيلة لتنفيذ القانون إلى سلطة موازية له أو باب لتجاوزه.
*معاملة أم سباق تتابع؟
لنتخيل إدارة تريد تسريع معاملات المواطنين، فتصدر تعميمًا لتنظيم الإجراءات، ثم تظهر استثناءات فتصدر توجيهات إضافية، ويأتي مدير جديد فيعيد ترتيب التعليمات.
وبعد سنوات، يصبح الموظف الخبير هو الذي يعرف كيف يتنقل بين التوجيهات، لا الذي يعرف القانون ويطبقه!
أما المواطن، فيسأل عن الأوراق المطلوبة، ثم يضيف السؤال الأهم: «ألا يوجد طريق مختصر؟».
وقد يُطلب منه كتاب من الجهة التي أرسلته أصلًا إلى الجهة الأخرى للحصول عليه!
عندها لا يعود المواطن ينجز معاملة، بل يشارك في سباق تتابع إداري، يحمل فيه كل مكتب المعاملة إلى المكتب التالي، من دون أن يصل أحد إلى خط النهاية!
وكلما غمضت الإجراءات واتسعت الاستثناءات، اتسعت مساحة الوساطة، وأصبح النفوذ أقدر على الحلول محل القاعدة القانونية.
*قبل أن نصدر قانونًا جديدًا!
هنا نعود إلى فكرة الزميل محمد الخطيب عن الترقيع التشريعي.
ألا يجدر بنا، قبل إصدار قوانين جديدة، أن نراجع ما تراكم حول القوانين القائمة من توجيهات وتعاميم وقرارات؟
المطلوب جردها، والتحقق من سندها القانوني، وإلغاء المكرر وغير الضروري، وتصحيح المتعارض منها وفق الأصول، مع الحفاظ على ما يلزم لتنفيذ القوانين وحماية حقوق المواطنين.
فالإصلاح لا يعني إلغاء الماضي كله، بل التمييز بين ما يستحق البقاء وما أصبح عبئًا على المؤسسات والناس.
ولا يجوز أن نطالب الموظف باحترام القانون، ثم نضعه بين نص واضح وتوجيه يناقضه، من دون مرجعية تحميه وتحمي حقوق المواطن.
الدولة المؤسسية لا تُقاس بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على تطبيقها بعدالة، وتوحيد إجراءاتها، ومساءلة من يتجاوزها.
ولعل أول إنجاز إداري حقيقي أن نلغي عشرة تعاميم غير ضرورية، بدلًا من إصدار تعميم جديد يدعو إلى تبسيط الإجراءات!
وإذا أردنا الاحتفال بهذا الإنجاز، فلا بأس أن نعقد مؤتمرًا ونصدر توصيات ونشكّل لجنة للمتابعة… لكن أرجوكم، لا تصدروا تعميمًا لتنظيم الاحتفال قبل التأكد من إلغاء التعاميم القديمة!
*القانون لا يحتاج إلى إعادة اختراع كل صباح
إن بناء دولة جديدة لا يعني تغيير الأشخاص مع الاحتفاظ بطريقة الإدارة نفسها، بل تغيير العلاقة بين السلطة والقانون.
فالدولة التي تحترم القانون لا تجعل المواطن أسير توقيع استثنائي، ولا تجعل الموظف يخشى تطبيق النص أكثر مما يخشى مخالفة التوجيه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث في إحدى دوائرنا الحكومية أن يسأل المواطن عن حقه، فيجيبه الموظف:
«هذا هو القانون، وهذه هي الإجراءات، وهذا حقك».
ثم ينجز معاملته دون أن يضيف:
«لكن دعنا ننتظر التعميم»!
عندها فقط نكون قد بدأنا الطريق نحو دولة مؤسسات، لا تحتاج فيها كل معاملة إلى معجزة إدارية، ولا يحتاج المواطن إلى شجرة عائلة من المعارف كي يحصل على حقه.
وأكرر أن هذه قراءة إدارية من مهندس، وليست فتوى قانونية؛ ولعل أهل الاختصاص يضيفون إليها ما ينقصها، بشرط ألا يحتاج ردّهم إلى تعميم يشرح كيفية قراءته
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
