آخر الأخبار
الرئيسية » تربية وتعليم وإعلام » إعلام التحريض والتشهير في زمن الأسرلة: هل قلت «تعددية»؟

إعلام التحريض والتشهير في زمن الأسرلة: هل قلت «تعددية»؟

 

نزار نمر

 

تصاعد التحريض على الصحافيّين في لبنان خلال العدوان الإسرائيلي الحالي، عبر حملات تشهير ووشاية ونشر أسماء وتهديدات مباشرة. لعبت أدوار «البطولة» في هذا الفِعل المشين مؤسّسات تتبع الإعلام الإبراهيمي مثل mtv و«نداء الوطن» ومنصّات مثل «هنا بيروت» وThe 961 و«صوت بيروت إنترناشونال»، في مقابل غياب الحماية والمساءلة، ما يعرّض الصحافيّين لمخاطر فعلية

 

 

كشف العدوان الصهيوني الموسّع الحالي على لبنان عن تناقضات جذرية في داخل المجتمع اللبناني نفسه، يستغلّها كيان الاحتلال لصالح أهدافه التوسّعية. الطامة الكبرى كانت في إماطة اللثام عن تحريض ممنهج على الصحافيّين من الداخل، يلاقي التحريض الصهيوني الأزلي، وصل إلى حدّ تعريض حياتهم بشكل مباشر. أمّا المفاجأة، فليست وقوف جهات سياسية خلف ذاك التحريض فحسب، بل كذلك صحافيّين «زملاء»!

 

تدحرج نحو إعلام اللون الواحد

هو ليس أمراً عابراً في بلد دائماً ما تغنّى بتعدّديّته السياسية وحرّياته الإعلامية، لكن يبدو أنّ هناك بعض مَن يتبجّح بنشوة العدوّ الوهمية ولم يعد يعجبه هذا الواقع، فقرّر تغييره. المفارقة أنّ هذا البعض يهاجم المقاومة لزعمه أنّها ترفض هذه التعدّدية والحرّيّات، فيما تظهر معاييره المزدوجة اليوم أكان في هذا السياق أم في مواضيع أخرى جمّة.

 

بعد عدوان أيلول (سبتمبر) 2024 وإحكام الوصاية (التي لم تكن وليدة) قبضتها على الرئاستَين الأولى والثالثة، بات هناك توجّه لـ«التخلّص» من أيّ إعلام قريب ولو قليلاً من منطق المقاومة، أو على الأقلّ لا يتماشى مع أهداف الأوصياء. وكانت إرهاصات هذا التوجّه قد ظهرت خلال العدوان إيّاه، فيما كانت «الأخبار» ضمن لائحة الاستهداف عبر قرصنة موقعها الإلكتروني ونقاش بين مستشاري قائد الجيش في حينه والسفارة الأميركية حول إدراجها على لائحة العقوبات الأميركية («الأخبار» 24/10/2024).

 

إعلام يحرّض على إعلام

في العدوان الحالي، اشتدّت الحملة على الصحافيّين والناشطين المؤيّدين للمقاومة وصلت إلى حدّ اعتقالهم، فيما يواجهون التهديدات الإسرائيلية المباشرة على حياتهم. وتصدّرت المشهد وسائل إعلامية تتبنّى سردية العدوّ ولا سيّما في التبريرات المساقة لقتل اللبنانيّين والصحافيّين، ومنها mtv و«نداء الوطن» و«النهار» وغيرها، إلى جانب منصّات تدور في الفلك نفسه وتنتشر كالبعوض، مثل «هنا بيروت» و«هنا لبنان» وPolitical Pen وThe 961 و«صوت بيروت إنترناشونال» و«بيروت تايم» و«نقد» و«بولي بلوغ» وغيرها الكثير ممّا يعتمد عليه كثر كمصادر أخبار.

 

يلاقي التحريض الإعلامي في منتصف الطريق مناصرو حزب معيّن، إذ يتوجّهون إلى صحافيّين لا يؤيّدونهم الرأي السياسي بالمضايقات والتهديدات في بيروت والجنوب. ووصل الأمر بهؤلاء المناصرين إلى حدّ الاعتداء بالضرب على صحافي في الجنوب، لم تُعرف هويّته ولم يصل الخبر إلى الإعلام لأنّه هُدّد إذا تسرّب الخبر، فيما السلطات المعنية غائبة إن لم نسئ النية ونقُل متواطئة. من جهة أخرى، تعرّض أحد مقالات كاتب هذه السطور لاتّهام من ضيف في جمهور «صار الوقت» على mtv، بـ«هدر دماء ميشال المرّ»، فقط بسبب نقل ما أوردته القناة ذاتها والتعليق عليه بالنقد، وهو حقّ صحافي بدائي، لا يمكن مقارنته بأيّ شكل من الأشكال بما ترتكبه القناة يوميّاً.

 

mtv تتولّى دفّة التشهير

mtv بالتحديد، التي يراد للمشهد الإعلامي اللبناني أن يكون ذا لون واحد على شاكلتها، باتت تحرّض على الصحافيّين بشكل مباشر ومن دون أيّ رادع. فقد سبق أن نشرت ما يشبه قوائم القتل، أولى بحقّ مَن وصفتهم بـ «مسيحيّين ذمّيّين بجعبة حزب الله» («الأخبار» 1/10/2025)، وثانية بحقّ صحافيّين من خلفيّات مختلفة («الأخبار» 4/3/2026)، وثالثة بحقّ مَن وصفتهم «محلّلين وأصحاب وسائل إعلامية غالبيّتهم من المسيحيّين يقبضون من «الحزب»» («الأخبار» 9/4/2026).

 

اتهمت الصحافية كورتني بونّو mtv بالتحريض عليها وعلى مصوّرها

 

 

والجديد أنّ القناة نشرت مقطعاً تحت عنوان «مواطن من مرجعيون: إعلاميّان تسبّبا في استهداف رزقي». هنا، ظهر رجل يتحدّث أمام حضور خلال زيارة السفير البابوي إلى الجنوب خلال الأسبوع الماضي، معرّفاً عن نفسه بأنّه «الدكتور ريشار نادر، أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية». ويروي أنّه وأشقّاءه يمتلكون مبنى في مرجعيون قصفه العدوّ، لكنّ المفاجئ أنّه لا يحمّل المسؤولية للعدوّ، بل لما يصفه بـ«الإعلام المزيّف الذي يستغلّ الحقيقة ويعطي إحداثيّات للحرب التي لا علاقة لنا بها لا كلبنانيّين ولا كمسيحيّين».

 

ويتّهم قناة «الميادين» والصحافي علي زين الدين والصحافية كورتني بونّو (يسمّيها خطأً «كورنيت») بالغارة الإسرائيلية لأنّهم صوّروا تقريراً من أمام المبنى الذي يقع في مقابل ثكنة للجيش «لكي يعطوا الإحداثيّات لـ «حزب الله» كي يقصف على الخيام أو اليهود أو حلفائهم أو شركائهم بتدمير لبنان» على حدّ تعبيره!

 

هكذا، تحوّل أحد المتضرّرين من العدوان الإسرائيلي، إلى «مُخبر» بحقّ أبناء جلدته، بدلاً من اعتبار ما حصل فرصةً للتوحّد ضدّ عدوّ لبنان والتخلّص من عقلية «مش حربنا». ولئن يمكن تفهّم غضب شخص من استهداف رزقه وهو أمر لا يجب أن يختبره أيّ لبناني، إلّا أنّه من المستغرَب أن يصدر كلام من هذا النوع من أستاذ جامعي يُفترَض أن يدرك عواقب ما يصدر عنه. فعن أيّ إحداثيّات يتكلّم إذا كان لا يعتبر نفسه جزءاً من الحرب، وألا يعرف أنّ العدوّ يستهدف المدنيّين؟ وهل كان يلمّح إلى أنّ الصحافيّين كانوا الهدف، أم ربّما الثكنة؟ والأهمّ، هل عدنا إلى فكرة أنّ كلّ اتّهام هو اعتراف؟

 

ردّ المشهَّر بهم

سرعان ما ردّت قناة «الميادين» ببيان تحت عنوان «حملة تحريض على قناة «الميادين» تقودها أطراف سياسية عبر ادّعاءات كذب وزور حول عمل فريق صحافي مزعوم ينتمي إلى الشبكة». وأتى في البيان أنّ «مديري حملة التحريض على «الميادين» يدّعون كذباً أنّ فريقاً من الشبكة يتقصّد بثّ رسائل مباشرة من مرجعيون لدفع الاحتلال لقصف المدينة. أسماء الفريق التي ذكرها المحرّضون لا تنتمي إلى شبكة «الميادين» ولا تمتّ إلى القناة بأيّ صلة. هذا التحريض يأتي في سياق حملة منظّمة يقودها فريق سياسي معروف بهدف تشويه سمعة شبكة «الميادين». «الميادين» تؤكّد أن أيّاً من فرق عملها الميدانية في جنوب لبنان لم تتواجد أو تبثّ أيّ رسائل مباشرة أو غير مباشرة من مدينة مرجعيون. شبكة «الميادين» تؤكّد أنّ كلّ فرقها الميدانية حريصة على الالتزام بالمعايير المهنية والصحافية خلال نشاطها وحرصها على أمن المواطنين».

 

من جهتها، تلفت الصحافية كورتني بونّو في حديث معنا إلى أنّها وصحافيّين ومصوّرين آخرين من وسائل إعلام مختلفة، يتوجّهون إلى نقطة قرب مكان وقوع الغارة بشكل اعتيادي لنقل الرسائل المصوّرة. وتقول إنّه رغم التنسيق الدائم مع الأجهزة الأمنية التي اختارت لهم المكان للتصوير، طلب مختار المنطقة منها ومن مصوّرها مغادرتها في المرّة الأخيرة التي صوّروا فيها من هناك، وفعلوا، قبل أن تقع الغارة بعد 20 دقيقة من مغادرتهم. وتتّهم الصحافية mtv بالتحريض عليها وعلى مصوّرها، خصوصاً لما قد يتعرّضان له من بعض الأشخاص المتأثّرين بخطاب القناة.

 

في سياق متّصل، أصدر «اتّحاد الصحافيّين والصحافيّات في لبنان» بياناً تعليقاً على الموضوع، معتبراً أنّه رصد «في الآونة الأخيرة منحى يُخشى أن يتّسع يقوم على التشهير بالصحافيّين على خلفية التوجّهات التحريرية أو السياسية لمؤسّساتهم، وصل إلى حدّ اتّهامهم بالعمالة أو بالعمل لصالح أحد أطراف النزاع.

 

وقد بلغ الأمر بالبعض حدّ تسمية صحافيّين والادّعاء بمشاركتهم في المجهود الحربي، ما يرقى إلى تحريض صريح على قتلهم. بدايةً يحذّر الاتّحاد من خطورة هذا المنحى نظراً إلى أنّ التشهير في هذه الظروف الأمنية الخطيرة وعلى خلفيّات سياسية، وأيّ اتّهام غير مسؤول يضع الفرق الصحافية في خطر ويجعلهم عرضةً للاعتداءات. وقد يشكّل أحياناً ذريعة لاستهدافهم». ويختتم البيان بدعوة «السلطة القضائية إلى الاضطلاع بمسؤوليّاتها في ملاحقة المحرّضين على الإعلاميّين وأيّ معتدين على الفرق الإعلامية».

 

مَن يحمي الصحافيّين؟

إزاء المشهد السوداوي الآنف الذكر، يستحيل طبيعيّاً أن يسأل الصحافي عن سبل الحماية، ولا سيّما من مخاطر تلاحقه فقط بحكم عمله. لكن إلى مَن يتوجّه؟ إلى وزارة الإعلام أم إلى منظّمات غير حكومية عقيمة؟ في هذه المرحلة، يجب على الصحافيّين على اختلاف أماكن عملهم أن يكونوا واضحين: أيّ دماء لهم تسال هي مسؤولية كيان الاحتلال أوّلاً، والمحرّضين والمشهّرين ثانياً. وللأسف، يُفترض أنّ الأخيرين زملاء، لكنّ وضع الإعلام في لبنان «شي فاشل»!

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجلس جامعة طرطوس يعقد اجتماعه الدوري برئاسة د.برهوم: تسريع النظر في اعتراضات الطلاب على النتائج الامتحانية وتوجيه رسائل الدراسات العليا نحو عملية التنمية المستدامة

  عقد مجلس جامعة طرطوس اجتماعه الدوري اليوم برئاسة الاستاذ الدكتور “اديب محمد برهوم” رئيس جامعة طرطوس حيث ناقش عدداً من المواضيع المتعلقة بتحسين العملية ...