عائشة صبري
تستعيد مدينة تدمر شرقي حمص حضورها على الخارطة السياحية السورية تدريجياً بعد سنوات من الانقطاع، نتيجة سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها النظام المخلوع وتهجير سكانها، بالتزامن مع عودة الأنشطة المرتبطة بالتراث البدوي والجمال والحنتور والخيل العربية، ما يفتح المجال أمام مشاريع جديدة ويوفر فرص عمل لأهالي المدينة، إذ تشكل هذه الأنشطة مصدر رزق لكثير منهم.
وقال سعيد الصالح، صاحب الركن البدوي في تدمر، لـ”الثورة السورية”: “عدت إلى مدينتي قادماً من مدينة إدلب، حيث واصلت العمل في الركن البدوي خلال فترة التهجير، وبعد أيام من عودتي افتتحت الركن البدوي في تدمر. وكانت حركة السياح محدودة بسبب نقص الخدمات والفنادق، فعملت على تجهيز حمامات وخيام للمبيت ومطعماً، ما أسهم في زيادة عدد الزوار”، مشيراً إلى أن عدد الزوار كان يتراوح يومياً بين خمسة وعشرة، بينما أصبح حالياً بين 50 و100 زائر، ويرتفع خلال يومي الجمعة والسبت إلى نحو 1200 زائر.
وأضاف: “نسعى إلى تشجيع السياحة من خلال الفعاليات البدوية، مثل عروض الجمال والخيل والحنتور والحفلات العربية وتقديم المناسف التدمرية”، لافتاً إلى أن الأمن استتب في مدينة تدمر، إلا أن مسؤولية الترويج السياحي تقع أيضاً على عاتق وزارتي السياحة والثقافة، عبر ترميم الآثار والقلعة وقوس النصر وتنظيف المواقع الأثرية، إلى جانب أهمية إقامة مهرجان للبادية.
وأشار الصالح إلى أهمية عودة أبناء تدمر للمساهمة في إعادة إعمار مدينتهم وتنشيط الحركة السياحية، موضحاً أن السياح الأجانب يولون اهتماماً كبيراً بزيارة تدمر وتراثها البدوي أكثر من أي منطقة أخرى في سوريا، ما يجعلها محطة رئيسية في برامجهم السياحية، داعياً إلى تكثيف الجهود لإبراز المدينة واستقطاب الزوار.
جهود لإعادة تنشيط القطاع السياحي
بدورها، قالت المهندسة سوزان الأسعد، رئيسة دائرة تدمر في مديرية السياحة بحمص، لـ”الثورة السورية”: إن الجهات المعنية تعمل حالياً على إعادة تنشيط القطاع السياحي وإحياء المدينة التاريخية، لما تمثله من قيمة حضارية وثقافية عالمية، مؤكدة أن تدمر تشهد عودة تدريجية للحركة السياحية بعد سنوات من التوقف نتيجة الدمار الذي خلّفه النظام المخلوع.
وذكرت أن العمل مستمر لحصر الأضرار التي لحقت بآثار تدمر وبساتينها نتيجة العمليات العسكرية والتخريب الذي طال عدداً من المعالم التاريخية، تمهيداً لإطلاق مشاريع الترميم والحفاظ على الإرث الحضاري للمدينة.
وتحدثت الأسعد عن التسهيلات التي قدمتها مديرية السياحة في حمص لتشجيع عودة النشاط السياحي، ومن بينها تسهيل منح التراخيص للمنشآت السياحية، والتنسيق مع الجهات الخدمية لإعادة تأهيل بعض المواقع، إضافة إلى تشجيع المبادرات المحلية والاستثمارات الصغيرة المرتبطة بالقطاعين السياحي والخدمي.
وأضافت أن الجهات المعنية تعمل على إعداد خطط لإعادة إعمار الفنادق والمنشآت السياحية المتضررة بالتعاون مع المستثمرين والقطاع الخاص، مع إعطاء الأولوية لإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية التي تشكل الركيزة الرئيسة لعودة النشاط السياحي بصورة متكاملة.
وفي إطار تشجيع الاستثمار، أشارت الأسعد إلى أن وزارة السياحة تقدم تسهيلات وحوافز للمستثمرين الراغبين في إقامة مشاريع سياحية وخدمية، بما يسهم في تسريع التعافي الاقتصادي وتوفير فرص عمل لأبناء المنطقة.
وبيّنت أن هناك خططاً تنفذها المديريات المعنية، ومن بينها مديرية الخدمات الفنية، لتأهيل الطرق ومحاور المواصلات الواصلة بين حمص وتدمر، بهدف تسهيل حركة الزوار وتنشيط النقل السياحي والتجاري، إلى جانب تحسين الخدمات العامة على الطرق الرئيسة.
وفيما يتعلق بالخدمات الأساسية، أفادت الأسعد بتحقيق تقدم تدريجي في إعادة خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات إلى أجزاء من المدينة، في حين تتواصل أعمال الصيانة والتأهيل للوصول إلى مستوى أفضل من الجاهزية خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما في المنطقة الأثرية.
أما على صعيد حركة الزوار، فقد شهدت المدينة خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً تدريجياً في أعداد القادمين إليها، ولا سيما من المحافظات السورية، بالتزامن مع عودة عدد من الأهالي إلى مدينتهم للعمل والاستقرار بعد تحسن الظروف العامة، وأسهمت هذه العودة، بحسب الأسعد، في توفير فرص عمل جديدة في مجالات النقل والخدمات والمطاعم والأسواق الشعبية وأعمال الترميم والصيانة.
وبخصوص الوضع الأمني، فإن المدينة، وفقاً لرئيسة دائرة تدمر في مديرية السياحة، تشهد حالة من الاستقرار النسبي، مع استمرار جهود الجهات المختصة لتأمين المنطقة الأثرية والطرق المؤدية إليها بما يضمن سلامة الزوار والأهالي، الأمر الذي أسهم في تشجيع الرحلات السياحية الداخلية تدريجياً.
تنظيم رحلات رسمية
نظّمت مديرية إعلام حمص في 16 أيار الماضي رحلة إلى مدينة تدمر بمشاركة خمسين إعلامياً ومؤثراً، تزامنت مع وصول 550 طالباً من طلاب معهد “جلجامش” السياحي في دمشق.
وقال محمد نور قبجي، مسؤول قسم الإعلام الرقمي في مديرية إعلام حمص، لـ”الثورة السورية”: إن التنسيق للرحلة جرى مع مديرية السياحة ومجلس مدينة تدمر وبلديتها، بهدف مشاركة الإعلاميين والمؤثرين في تغطية زيارة الطلاب القادمين من دمشق، وتسليط الضوء على واقع المدينة وآثارها واحتياجاتها، والمساهمة في تنشيط الحركة السياحية وتحفيز الأهالي على دعم عودة النشاط الاقتصادي والسياحي إليها.
وأضاف قبجي أن الرحلة انعكست إيجاباً على أهالي تدمر الذين يعتمد كثير منهم على السياحة كمصدر رئيسي للدخل، وذلك من خلال التغطية عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتواصل المباشر، مشيراً إلى استتباب الأمن في المنطقة التي ما يزال بعض الناس يتخوفون من زيارتها، بالتزامن مع إنشاء عدد من الفنادق والمنتجعات السياحية، منها ما أُنجز ومنها ما يزال قيد الإنشاء، لافتاً إلى أن مديرية الإعلام تعمل على تشجيع السياحة، وهناك خطط لتنظيم رحلات مماثلة إلى مناطق سياحية أخرى.
وفي هذا السياق، أشار الصحفي جلال الصمصام، أحد المشاركين في الرحلة، لـ”الثورة السورية”، إلى التغير الكبير الذي شهدته مدينة تدمر بعد فقدان عدد من معالمها الأثرية نتيجة الدمار الذي تسبب به النظام المخلوع وتنظيم داعش، مؤكداً أن المدينة تحتاج إلى إعادة إعمار بنيتها التحتية وإعادة تفعيل دور مديرية السياحة فيها.
بدوره، وصف محمد عليوي، أحد المؤثرين المشاركين في الرحلة، زيارته للمنطقة الأثرية في تدمر بأنها “تركت أثراً كبيراً في النفس، وأكدت لي أن تدمر ستبقى رمزاً للحضارة السورية أمام العالم”، متحدثاً لـ”الثورة السورية” عن حاجة الموقع الأثري إلى بنية تحتية تليق بمكانته العالمية، تشمل أماكن استراحة للزوار، ودورات مياه نظيفة، ولافتات إرشادية تشرح تاريخ كل معلم، وشبكة إنارة تتيح الزيارة في الفترة المسائية.
وأوضح أن أكثر المواقع التي تحتاج إلى تدخل عاجل هي مدخل المدينة الأثرية، والمسرح الروماني، ومحيط معبد بل، إلى جانب الإسراع في إعادة ترميم قوس النصر.
ولفت عليوي إلى حسن تنظيم الرحلة من قبل مديرية إعلام حمص، ولا سيما مرافقة سيارات الإسعاف وعناصر الأمن طوال الزيارة داخل الموقع الأثري، ما أتاح للمشاركين التركيز على التوثيق والاستمتاع بالزيارة، مضيفاً: “وقفت في وسط المسرح الروماني، وكان طلاب معهد جلجامش السياحي يجلسون أمامي، فرويت لهم بصوت مرتفع قصة خيالية ذات طابع رياضي بين فريق الروم وفريق تدمر، وأن فوز فريق تدمر سيمنحه استقلال مدينته. كان هدفي إشعال الحماس ورفع معنوياتهم، وتذكيرهم بأن أهل تدمر عبر التاريخ كانوا أبطالاً يصنعون النصر بإرادتهم”، مشيراً إلى أنهم تذوقوا المأكولات التدمرية واستمعوا إلى فرقة غنائية قدمت التراث الأصيل للمدينة، بما يؤكد أن روح تدمر وأهلها ما تزال حية.
وإلى جانب الدمار، تواجه مدينة تدمر وريفها خطراً مستمراً يتمثل في الألغام ومخلفات الحرب.
وأكد ساهر الصغير، مدير منطقة تدمر، لـ”الثورة السورية”، عدم توافر إحصاءات دقيقة لمساحات انتشار الألغام ومخلفات الحرب، بسبب تعاقب جهات عدة على السيطرة على المنطقة وعدم معرفة مواقع زرعها، مشيراً إلى إعداد خرائط من قبل وزارتي الدفاع والداخلية، إلا أن المشكلة تكمن في الأعداد الكبيرة للألغام واتساع مساحة البادية السورية.
وأضاف أن أبرز العقبات التي تواجه فرق الهندسة خلال عمليات التطهير تتمثل في اتساع رقعة البادية، وكثرة الألغام وتنوعها، وقلة خبرة العناصر الجدد، وضعف تجهيزات الحماية، وعدم توافر أجهزة كشف حديثة كماً ونوعاً، إضافة إلى الطبيعة الجغرافية الصعبة للمنطقة.
وأشار إلى أن الفرق المختصة في وزارة الدفاع تمكنت من إزالة جزء من الألغام استناداً إلى المشاهدات والبلاغات الواردة من الأهالي، ولا سيما في البادية بعد التحرير، إضافة إلى قيام بعض الأهالي بإزالة عدد منها بشكل فردي.
وشدد مدير منطقة تدمر على أن غياب الدعم الدولي يترك أثراً كبيراً على عمليات التطهير، في ظل الحاجة الملحة إلى تدخل منظمات دولية تمتلك أجهزة وتقنيات حديثة، ودعم وزارة الدفاع بالمعدات اللازمة، موضحاً أنه لا توجد أي منظمة فاعلة تعمل في المنطقة حالياً، ما يدفع بعض الأهالي إلى التعامل مع الألغام ومخلفات الحرب دون خبرة، ويعرضهم لخطر الإصابة أو الوفاة.
وأعرب الصغير عن أمله في أن تبادر المنظمات والفرق المختصة إلى تنفيذ عمليات مسح شاملة للبادية السورية وتطهيرها من الألغام ومخلفات الحرب، حفاظاً على حياة السكان والثروة الحيوانية.
وفي هذا السياق، تواصلت “الثورة السورية” مع مكتب التواصل الإعلامي في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث – فرع حمص، الذي أكد أن عمل الوزارة يتركز في المناطق الحيوية، في حين تتولى وزارة الدفاع التعامل مع ملف تدمر والبادية المحيطة بها.
وأوضح المكتب أن تدمر ومحيطها يعدان من أكثر المناطق تعقيداً نتيجة تعاقب عدة قوى على السيطرة عليها، ما أدى إلى انتشار أنواع متعددة من الألغام والذخائر غير المنفجرة بأعداد كبيرة، فضلاً عن غياب خرائط الألغام التي زرعها النظام المخلوع، الأمر الذي يجعل المنطقة شديدة الخطورة على الكوادر العاملة، خاصة في ظل نقص المعدات المتطورة التي تسهم في تسريع عمليات التطهير.
وذكر أن السيول التي شهدتها المنطقة خلال العام الحالي تسببت في نقل عدد من الألغام من مواقعها الأصلية، إضافة إلى تراكم الكثبان الرملية فوقها، ما يزيد من صعوبة اكتشافها وإزالتها.
واحة تدمر.. رئة خضراء تنتظر التعافي
لا تقتصر مقومات السياحة في مدينة تدمر على الصحراء والمواقع الأثرية، إنما تضم أيضاً واحدة من أكبر الواحات والبساتين الخضراء في البادية السورية.
وقال خالد حسين، صاحب أحد البساتين المتضررة، لـ”الثورة السورية”: إن البساتين كانت تشكل متنفساً لأهالي تدمر ومصيفاً يقصده السكان المحليون والسياح الأجانب خلال فصل الصيف لما تتمتع به من أجواء معتدلة، فضلاً عن كونها مصدر رزق لغالبية السكان، إذ يمتلك معظمهم مساحات ضمن هذه الواحة المزروعة بأشجار الزيتون والنخيل والرمان.
وأفاد بأن غالبية أصحاب البساتين لم يتمكنوا حتى اليوم من إعادة إعمارها أو زراعتها بسبب ضعف الإمكانات المادية، بعدما تعرضت مساحات واسعة منها لأضرار ناجمة عن الحرائق والجفاف وعمليات التحطيب الجائر والقصف.
وتشير المعلومات المتداولة عن واحة تدمر إلى أنها من أقدم وأكبر الواحات الطبيعية في البادية السورية، ويمنح التباين بين خضرة أشجار النخيل والرمال الذهبية المحيطة بالمدينة الأثرية مشهداً طبيعياً يجذب المهتمين بالسياحة. وتبلغ مساحتها نحو ثلاثة آلاف هكتار، فيما تراجع عدد أشجار النخيل من نحو 200 ألف شجرة قبل عام 2015 إلى قرابة 130 ألف شجرة حالياً، بين صغيرة وكبيرة، منها نحو 60 ألف شجرة ما تزال بحالة جيدة لكنها تحتاج إلى أعمال خدمة وري لاستعادة حيويتها. كما تنتج الواحة البلح والتمور بمختلف أصنافها، وتشهد في الآونة الأخيرة تحسناً تدريجياً مع عودة المزارعين إلى تخديم بساتينهم وإحيائها.
وأدرجت تدمر، المعروفة بـ”عروس الصحراء السورية” و”بالميرا” أو مدينة النخيل، على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” عام 1980. وتضم المدينة عدداً من أبرز المعالم الأثرية، منها قوس النصر، وهو بوابة ثلاثية الشرفات، وشارع الأعمدة المعروف بالشارع المستقيم الذي يمتد لمسافة تقارب 1.1 كيلومتر، إضافة إلى المسرح الروماني وقلعة فخر الدين المعني التي تتربع على قمة جبل يطل على المدينة الأثرية وواحة النخيل وتعود إلى العصر الإسلامي.
كما تضم المدينة معلم “التترابيل” أو المصلبة، وهو بناء مربع يتألف من أربع قواعد منفصلة تعلو كل واحدة منها أربعة أعمدة من الغرانيت تشكل مظلة معمارية مميزة. وتشتهر تدمر أيضاً بمعابدها التاريخية، ويعد معبد بِل من أكبر المعابد الأثرية في الشرق القديم، إذ شُيد في القرن الأول الميلادي ليكون مقراً لمجمع الأرباب التدمريين.
ووجّه محمد عليوي رسالة إلى الجهات المعنية في الحكومة، قال فيها: “تدمر قضية وطن، والاستثمار فيها اليوم هو استثمار في مستقبل السياحة السورية، وكل خطوة في إعادة الإعمار وتحسين الخدمات ستنعكس بالنفع على البلاد كلها”، مشيراً إلى أهمية تعزيز شبكات الاتصالات والإنترنت بما يسهم في توثيق معالم المدينة والتعريف بها على نطاق أوسع.
وأضاف أنه يعد أبناء تدمر بزيارة قريبة إلى المدينة السكنية لنقل واقعها ومعاناة أهلها إلى العالم، وليكون صوتاً للسكان الصامدين، قائلاً: “وعدي أن تبقى تدمر حاضرة في الإعلام حتى تعود أجمل مما كانت”.
وتتمثل الرؤية المستقبلية في إعادة تدمر إلى مكانتها الطبيعية على خارطة السياحة العالمية باعتبارها واحدة من أهم المدن الأثرية في العالم، بحسب سوزان الأسعد، رئيسة دائرة تدمر في مديرية السياحة، التي أكدت أهمية تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المعنية بالتراث والثقافة للمساهمة في إعادة الحياة إلى المدينة وحماية المواقع الأثرية المتضررة وترميمها.
وذكرت الأسعد أن مديرية السياحة تؤكد أهمية تشجيع السياحة الداخلية، ولا سيما الرحلات المدرسية والجامعية والخاصة، لتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ تدمر الحضاري وتعزيز ارتباطهم بالإرث الثقافي السوري، مشيرة إلى أن عودة الحركة السياحية إلى تدمر تمثل أيضاً عودة الحياة والأمل إلى مدينة عانت طويلاً من القصف والدمار، في ظل تطلع الأهالي إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار.
اخبار سورية الوطن2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن

