كتب: القاضي حسين حمادة
تتألف أي مؤسسة عامة من ثلاثة أركان أساسية: الكادر الوظيفي، والقانون الناظم، والبنية المادية التي تمارس من خلالها أعمالها. وأي خلل يصيب أحد هذه الأركان ينعكس مباشرة على كفاءة المؤسسة وقدرتها على أداء دورها، أما إذا تعرضت الأركان الثلاثة للاهتزاز معًا، فإن المؤسسة تصبح مهددة بفقدان وظيفتها الأساسية.
الركن الأول: الكادر الوظيفي
يمثل الكادر الوظيفي العمود الفقري للمؤسسة، ويبدأ من أدنى السلم الإداري وصولًا إلى أعلى المناصب المهنية. ويُفترض أن يخضع التعيين والترفيع والتقييم والمساءلة لمعايير قانونية واضحة تقوم على الكفاءة والخبرة والاستحقاق، بما يضمن استقرار العمل وتراكم الخبرات واستمرار المرفق العام في أداء مهامه.
أما المناصب السياسية العليا، كمعاوني الوزراء والوزراء وما فوقهم، فمن الطبيعي أن تخضع لاعتبارات سياسية ترتبط بالبرنامج الحكومي والتوجهات العامة للدولة، لأنها تمثل القيادة السياسية المؤقتة لا الجهاز الإداري الدائم.
الركن الثاني: القانون الناظم
القانون هو الإطار الذي يمنح المؤسسة شرعيتها ويحدد أهدافها واختصاصاتها وصلاحياتها وعلاقاتها مع غيرها من الجهات العامة. ومن دونه تتحول المؤسسة إلى كيان تحكمه الاجتهادات الشخصية والقرارات الارتجالية.
والقوانين ليست جميعها في مرتبة واحدة؛ فهناك قوانين أصبحت عائقًا أمام التطور السياسي والاجتماعي والنمو الاقتصادي، وهذه ينبغي مراجعتها أو إلغاؤها واستبدالها بتشريعات أكثر ملاءمة للمرحلة الجديدة. وفي المقابل، هناك قوانين أساسية تنظم عمل الدولة ومؤسساتها وتحفظ استقرارها، وهذه يجب المحافظة عليها وتطويرها، لا تجاوزها أو تعطيلها.
الركن الثالث: البنية المادية للمؤسسة
يشمل هذا الركن المباني والتجهيزات والوثائق ووسائل العمل والمستلزمات التي يحتاجها العاملون لأداء مهامهم. ورغم أن هذا الركن قد يبدو أقل أهمية من العنصر البشري أو القانوني، إلا أنه يمثل الحاضنة المادية التي تمكن المؤسسة من تقديم خدماتها للمواطنين بصورة منتظمة وفعالة.
تأسيسًا على ذلك:
من الطبيعي أن تعيد القيادة الجديدة النظر في المناصب السياسية العليا، وأن تجري مراجعة للمؤسسات ذات الطابع السياسي أو الأمني بما ينسجم مع توجهاتها وخططها.
أما المؤسسات الإدارية والخدمية والقضائية والتعليمية وسائر المرافق العامة، فإن استقرارها يعتمد أساسًا على الحفاظ على الخبرات والكفاءات والالتزام بالقواعد القانونية الناظمة لعملها. وأي عملية إصلاح أو تطهير داخل هذه المؤسسات يجب أن تتم وفق معايير قانونية موضوعية وإجراءات واضحة، لا وفق المزاج أو الرغبة في الاستبدال لمجرد الاستبدال. وهذا يشمل أيضًا القوانين الناظمة، على قاعدة إلغاء الفاسد منها وتطوير الصالح فيها.
واليوم، عندما ننظر إلى واقع بعض المؤسسات، نجد أن الخلل لم يعد مقتصرًا على أحد هذه الأركان، بل امتد إلى أكثر من ركن في الوقت نفسه. فقد شهدنا تغييرات واسعة في الكوادر الإدارية دون التقيد الكامل بالمعايير الوظيفية والقانونية التي تضمن استقرار العمل واستمرار الخبرات المتراكمة. كما رأينا تهميشًا أو تجاوزًا لبعض القوانين والأنظمة التي يفترض أن تشكل المرجعية الأساسية للإدارة، وذلك تحت عنوان “تطهير المؤسسات من الفاسدين”
ولا أحد يعترض على محاسبة الفاسدين أو إبعادهم عن مواقع المسؤولية، بل إن ذلك واجب وطني وأخلاقي وقانوني. لكن مكافحة الفساد ليست عملية مزاجية، وإنما إجراء قانوني له أصوله وضماناته، تمارسه جهات رقابية وقضائية مختصة، ويستند إلى أدلة وقرارات معللة، لا إلى الشبهة أو الانطباعات أو الرغبة في الإقصاء.
وهنا يبرز السؤال الساخر: إذا كنا قد غيّرنا الأشخاص، وتجاوزنا القواعد، فهل بقي لإكمال المشهد سوى هدم المبنى؟ وهل سنشهد يومًا نظرية جديدة تقول إن إصلاح المؤسسة يكتمل بإزالة جدرانها ايضاً ؟
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

