آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » التسوية المالية في قضايا الكسب غير المشروع في سورية..بين استرداد الأموال والمصادرة وحماية حقوق الغير والمسؤولية الجزائية

التسوية المالية في قضايا الكسب غير المشروع في سورية..بين استرداد الأموال والمصادرة وحماية حقوق الغير والمسؤولية الجزائية

 

 

إعداد القاضي المتقاعد حسين حمادة

 

مقدمة

 

أصبح الحديث عن التسوية المالية في قضايا الكسب غير المشروع واسترداد الأموال الناتجة عن الفساد والسرقة والإثراء غير المشروع حديثاً متزايد الأهمية في سورية، ولا سيما في مرحلة يُفترض أن يكون من أول أهدافها استرداد الأموال العامة والخاصة التي جرى الاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة.

 

لكن خطورة هذا الموضوع تكمن في أن التسوية، إذا لم تُبنَ على قواعد قانونية واضحة ورقابة قضائية مستقلة، يمكن أن تتحول من وسيلة لاسترداد المال إلى وسيلة لإضفاء المشروعية على مال غير مشروع وربما إلى ارتكابات مالية جديدة.

 

أولاً: التسوية ليست هي المصادرة

 

ينبغي التمييز بوضوح بين المصادرة والتسوية المالية.

 

فالمصادرة إجراء قانوني يترتب عليه حرمان الجاني من المال المرتبط بالجريمة أو المتحصل منها، وفق الشروط والإجراءات التي يحددها القانون. وتعرف النظم القانونية صوراً متعددة للمصادرة.

 

أما التسوية فهي، من حيث المبدأ، آلية رضائية أو إجرائية تهدف إلى إنهاء الجانب المالي من نزاع أو استرداد أموال متحصلة بطرق غير مشروعة وفق شروط معينة.

 

وبالتالي لا يجوز استخدام كلمة “تسوية” لإخفاء حقيقة أن المال محل البحث هو مال مسروق أو مختلس أو متحصل من جريمة.

 

ثانياً: مصدر المال المسترد هو نقطة البداية

 

لا يمكن وضع نسبة واحدة للتسوية لجميع الحالات، لأن الأموال ليست في مركز قانوني واحد، وهنا يجب التمييز بين ثلاث حالات رئيسية:

 

1. المال الخاص

 

إذا كان المال قد انتزع من شخص أو شركة أو مؤسسة خاصة بوسيلة غير مشروعة، فإن صاحب المال المتضرر هو صاحب الحق الأول فيه.

 

ولا يجوز أن تتحول التسوية إلى اتفاق بين الدولة والجاني على اقتسام المال بينما يبقى صاحب المال الحقيقي خارج المعادلة، فالأصل هو رد المال إلى صاحبه أو تعويضه عن الضرر وفق القانون.

 

1. المال العام

 

إذا ثبت أن المال عائد للدولة أو لإحدى مؤسساتها، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة؛ لأن الجريمة هنا لا تتعلق بثروة فردية فحسب، وإنما بحقوق المجتمع كله، وفي هذه الحالة لا ينبغي أن تكون الدولة في موقع “المساوم” على مالها، بحيث تقول للجاني: أعد إلينا جزءاً من المال واحتفظ بالباقي.

 

فإذا ثبت أن المال العام قد سرق أو اختلس، فإن الأصل القانوني هو استرداده كاملاً، مع مراعاة ما يقرره القانون بشأن المصادرة والعقوبات والتعويضات.

 

1. حقوق الغير

 

وهذه هي الحالة التي يجب أن تحظى بأكبر قدر من الحماية.

 

فقد تكون الأموال الموجودة لدى الشخص مزيجاً من مال مشروع ومال غير مشروع، أو قد يكون فيها مال يعود لأشخاص آخرين أو لشركات أو ورثة أو شركاء، وفي هذه الحالة يجب تحديد الحقوق قبل إجراء أي تسوية، فالتسوية لا يجوز أن تكون على حساب الدائن أو الشريك أو الضحية أو المالك الحقيقي.

 

ثالثاً: هل يحتفظ صاحب المال بجزء منه؟

 

إذا كان المقصود بالتسوية تطهير النسبة التي يحتفظ بها الشخص وكان أصل المال مسروقاً أو مختلساً أو عائداً للغير، فلا يوجد منطق قانوني في أن يصبح الجاني مالكاً لنسبة منه لمجرد أنه وافق على التسوية.

 

رابعاً: هل أخذ الدولة نسبة من المال يعني مشاركتها في الجريمة؟

 

أخذ الدولة جزءاً من المال المصالح عليه لا يعني أنها أصبحت شريكة جنائية في الجريمة.

 

لكن الخطر يكمن في شيء آخر:

 

إذا كان المال ثابتاً أنه متحصل من جريمة، ثم قررت الدولة أن تأخذ منه نسبة وتترك النسبة الأخرى للجاني، فقد ينشأ انطباع خطير بأن الدولة قبلت عملياً بتحويل جزء من المال غير المشروع إلى مال مشروع.

 

وهذا يختلف جذرياً عن المصادرة أو الغرامة أو التعويض التي تستند إلى نص قانوني مستقل.

 

لذلك يجب أن تكون التسوية شفافة في تحديد الطبيعة القانونية لكل مبلغ:

 

ما يرد إلى الضحية؛

ما يسترد للخزينة؛

ما يصادر بحكم القانون؛

ما يمثل غرامة أو جزاءً مالياً؛

وما يبقى ملكاً مشروعاً لصاحب المال بعد إثبات مصدره المشروع.

 

ولا يجوز جمع هذه المفاهيم كلها تحت عنوان واحد هو “التسوية”.

 

خامساً: أين تذهب الأموال التي تستردها الدولة؟

 

إذا كان المال المسترد ناتجاً عن جرائم ألحقت أضراراً بأشخاص أو مؤسسات أو بالمجتمع، فمن غير السليم أن يختفي هذا المال داخل الإيرادات العامة وكأنه إيراد عادي، والصحيح يجب ان يودع المال المسترد في بند أمانات خاص في الموازنة العامة للأموال المستردة من جرائم الفساد والكسب غير المشروع، وتُسجل فيه الأموال إلى حين تحديد أصحاب الحقوق والمتضررين منها، وبعد ذلك يجري توزيعها وفق أحكام قضائية أو قواعد قانونية واضحة.

 

وهذا يحقق مبدأ مهماً: المال المسترد من الجريمة لا ينبغي أن يصبح غنيمة جديدة للدولة، وإنما وسيلة لإعادة الحق إلى صاحبه وتعويض المتضررين.

 

سادساً: إذا كانت هناك نسب، فمن يحددها؟

 

لا يجوز أن تكون النسب اعتباطية، ولا أن تحدد بقرار إداري سري بل يجب أن يحدد وفق معايير موضوعية.

 

سابعاً: التسوية المالية لا تلغي الجريمة

 

من أخطر الأخطاء أن تُربط التسوية المالية بالعقوبة الجزائية وكأن دفع مبلغ من المال يؤدي تلقائياً إلى إسقاط الجريمة أو الحكم الصادر فيها.

 

المال شيء، والمسؤولية الجزائية شيء آخر.

 

فإذا كان الفعل يشكل جريمة، فإن استرداد المال لا يمحو الجريمة التي ارتكبها الشخص.

 

ولهذا فإن القيادة السورية أكدت بأن إجراء التسوية المالية لا يؤثر في المسؤولية الجزائية ولا يؤدي بذاته إلى وقف تنفيذ الحكم الجزائي النافذ.

 

ثامناً: لماذا الإشراف القضائي ضروري؟

 

إذا كانت التسوية تتعلق بأموال يحتمل أن تكون ناتجة عن جريمة، فلا ينبغي تركها للسلطة التنفيذية وحدها.

 

والسبب بسيط:

 

السلطة التي تملك المال أو تمثله لا ينبغي أن تكون وحدها هي التي تحدد مصدره، ومقداره، ونسبة استرداده، وحقوق الآخرين فيه.

 

لذلك ينبغي أن تكون هناك جهة قضائية مستقلة تشرف على إجراءات التسوية وتوزيع الأموال المستردة على المتضررين.

 

تاسعاً: السارق الكبير والسارق الصغير

 

وهنا أصل إلى أخطر اختبار لأي تسوية مالية، فليس مقبولاً أن تكون الدولة شديدة الصرامة مع من سرق مبلغاً صغيراً، ثم تصبح أكثر مرونة مع من راكم ثروة ضخمة من المال العام أو الخاص.

 

فالعدالة لا تقاس بحجم الشخص، وإنما بحجم الفعل والضرر والحق المعتدى عليه.

 

وكلما اتسع نطاق الجريمة واتسع أثرها على المجتمع والمال العام، وجب أن تكون قواعد استرداد الأموال أكثر وضوحاً وصلابة.

 

ولا ينبغي أن تصبح التسوية المالية باباً يؤدي عملياً إلى المعادلة الأخطر:

 

كلما كبرت الجريمة، كبرت القدرة على التفاوض!

 

عاشراً: ما الذي تحتاجه سورية؟

 

إن سورية لا تحتاج فقط إلى استرداد الأموال المنهوبة، وإنما تحتاج إلى نظام قانوني متكامل لاسترداد الأموال المنهوبة، وينبغي أن يبدأ هذا القانون بالنص على تتبع المال، وتجميده عند الضرورة، وحماية الأدلة، وتحديد المالك الحقيقي، وحماية حقوق الغير، ثم المصادرة أو الرد أو التسوية وفق الحالة القانونية لكل مال.

 

والأهم من ذلك أن يوضع حد فاصل بين استرداد المال والمسؤولية الجزائية.

 

(( فالتسوية ليست بيعاً للبراءة، والمصادرة ليست تسوية، والمال المسروق ليس مالاً قابلاً للتقاسم.

 

والدولة ليست شركة تحصيل ديون، والجريمة ليست ديناً يمكن إسقاطه بمجرد دفع جزء منه ))

 

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الشركة السورية للبترول تبحث مع وفد أردني آفاق التعاون في مجال النفط والغاز

    بحث الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول المهندس يوسف قبلاوي والرئيس التنفيذي للشركة السورية للكهرباء المهندس عمر شقروق مع الوفد الأردني في وزارة الخارجية ...