آخر الأخبار
الرئيسية » تربية أخلاقية وأفعال خيرية » الرشوة والمحسوبية: آفتان تهدمان القيم وتُضيّعان الحقوق

الرشوة والمحسوبية: آفتان تهدمان القيم وتُضيّعان الحقوق

 

المهندس نضال رشيد بكور

 

الرشوة آفةٌ مدمِّرة تُفسد الذمم، وتهدم القيم، وتُضيّع الحقوق، وهي من كبائر الذنوب التي تجلب اللعنة على صاحبها.

 

وقد حرّمت الشريعة الإسلامية الرشوة بكل صورها التي يُقصد بها التأثير على الحق، استنادًا إلى قول الله تعالى في تحريم أكل الأموال بالباطل: “وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ”، ولعن النبي ﷺ الراشي والمرتشي والرائش، كما ورد في السنة النبوية.

 

وتتجلّى خطورة الرشوة وآثارها المدمّرة على المجتمع في ضياع حقوق الضعفاء، وإهدار الكفاءات لصالح الفاشلين، وتعطيل التنمية، ومحق البركة في الرزق.

 

إن الرشوة والفساد والمحسوبية ليست مجرد مالٍ يُدفع باليد، بل تشمل كل منفعة أو محاباة تُقدَّم لإبطال حق أو إحقاق باطل. كما أن الوساطة والمحسوبية اللتين تُهضَم بهما حقوق الأكفاء تُعدّان من صور الفساد الخفي الذي يدمّر الأوطان ويهدّد السلم الاجتماعي.

 

وتُعدّ قصة تحكيم الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه في بني قريظة من النماذج التاريخية التي تُبرز أهمية النزاهة والعدالة، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية والقبلية والمنافع المتبادلة.

 

فعندما نقض يهود بني قريظة عهدهم مع الرسول ﷺ في أحلك الظروف، أثناء غزوة الخندق، وحوصروا بعد ذلك، ارتضوا أن يكون الحكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه. وكان بنو قريظة حلفاء للأوس، قبيلة سعد، في الجاهلية، وهو ما جعل قومه يرجون منه مراعاة روابط الحلف والقرابة.

 

وأخذ قومه من الأوس يضغطون عليه قائلين: “يا سعد، أحسن في مواليك”، طالبين منه المحاباة وتخفيف الحكم بناءً على الولاء القبلي والمصلحة المشتركة.

 

لكن سعد بن معاذ رضي الله عنه لم يلتفت إلى ضغوط القرابة والمصلحة، ولم يبع أمانته إرضاءً لعاطفة أو تحقيقًا لمنفعة، بل قال كلمته المشهورة: “لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم”.

 

ثم أصدر حكمه في بني قريظة، فلما سمع النبي ﷺ حكمه قال مؤيدًا له: “لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات”.

 

ولو أن سعد بن معاذ رضي الله عنه داهن في حكمه، تلبيةً لروابط المصلحة والقرابة والمحسوبية، لكان ذلك إخلالًا بمبدأ العدالة الذي تقوم عليه المجتمعات وتُصان به الحقوق.

 

وبالمثل، فإن القاضي أو الموظف أو المسؤول الذي يُحابي شخصًا بسبب القرابة أو المنفعة أو الرشوة المقنّعة، إنما يُقوّض أركان المجتمع ويخون الأمانة.

 

إن مواجهة الرشوة تتطلب إحياء الرقابة الإلهية في القلوب، والحذر من هدايا أصحاب المصالح، والتصدّي للمحسوبية التي تُعدّ صورة مبطّنة من صور الفساد، مع اليقين التام بأن ترك الحرام يعقبه رزق حلال مبارك من الله تعالى.

 

فليجعل كل موظف ومسؤول شعاره في عمله وفي قضاء حوائج الناس كلمة سعد بن معاذ رضي الله عنه: “ألا تأخذني في الله لومة لائم”.

 

فلا يُقدِّم قريبًا أو صاحب مصلحة على مستحق، ولا يقبل هديةً مغلّفةً بالمحاباة؛ لأن العدل والنزاهة هما أساس استقرار الدول، وحفظ الحقوق، وأمان المجتمعات.

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حديث الجمعة.. ليس في الدعاء خسارة، ولا في الرجاء بالله خيبة

  المهندس نضال رشيد بكور   لا تُصغّر حاجتك أمام رحمة الله كم مرةً أخّرنا الدعاء لأننا ظننا أن ما نطلبه أكبر من أن يتحقق؟ ...