كم كتاباً نحتاج كي نقول إننا مجتمع يقرأ؟ وهل يكفي أن تزدحم أروقة المعارض بالإصدارات الجديدة، وأن تتوالى حفلات التوقيع، لنطمئن إلى مستقبل القراءة؟ في الدورة السابعة والستين من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، يبدو المشهد أكثر تعقيداً من صورة قارئ يحمل كتاباً، أو كاتب يوقّع روايته أمام عدسات الهواتف. ثمة صناعة تحاول الصمود اقتصادياً، وتكنولوجيا تعيد تشكيل عادات القراءة، وناشرون يتساءلون عن جدوى الطباعة في سوق لا تتسع دائماً لما يُنشر.
وبين الورق والشاشة، يتقدّم سؤال آخر: هل يهدّد الذكاء الاصطناعي الكتابة نفسها، أم يكشف أزمة أقدم تتعلق بعلاقتنا بالمعرفة والقراءة؟
واسيني الأعرج: المشكلة ليست في الشاشة بل في تكوين القارئ
بالنسبة إلى الروائي الجزائري واسيني الأعرج، لا تبدأ أزمة الكتاب من الوسيط الذي نقرأ عبره، بل من غياب التربية على القراءة. يلاحظ أن الشباب يستخدمون الأجهزة اللوحية في أنشطة يومية متعددة، لكن امتلاك الجهاز لا يعني بالضرورة استخدامه لقراءة الكتب.
ويستدل على ذلك بما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قد تستقطب جملة عابرة مئات التعليقات، فيما لا تحظى مقالة رصينة بالاهتمام نفسه.
يرى الأعرج أن الأهم هو تكوين قارئ يمتلك القدرة على التعامل مع النص، وبعد ذلك يصبح الاختيار بين الورق والشاشة مسألة ثانوية. ومن تجربته في فرنسا، يشير إلى أن الكتاب يصدر غالباً بصيغتين، ورقية وإلكترونية، وبسعر أقل للنسخة الرقمية. ومع ذلك، يحتفظ الكتاب الورقي بحضوره ومبيعاته.
أما الذكاء الاصطناعي، فلا يراه خطراً داهماً على الإبداع في المستقبل المنظور، وإن كان يثير إشكاليات تتعلق بأصالة النصوص ونسبتها إلى أصحابها. ويميّز بين جيل جديد يتعامل مع الكتابة بوصفها جهداً معرفياً وإنسانياً، وآخر يستسهل إنتاج النصوص. لكنه لا يعتقد أن الاستسهال وحده قادر على تأسيس تجربة أدبية تستمر.
رنا إدريس: دار النشر مشروع ثقافي قبل أن تكون تجارة
تقرّ رنا إدريس، من دار الآداب، بأن الكتاب الإلكتروني أثّر في مبيعات الكتاب الورقي، لكنها ترفض اختزال عمل الناشر في حسابات الربح والخسارة.
فدار الآداب، كما توضح، تواصل إصدار كتب تعرف مسبقاً أنها قد لا تحقق عائداً مالياً، انطلاقاً من قيمتها الأدبية والفكرية وما تضيفه إلى التجديد اللغوي والثقافي.
وتكشف أن الدار تتلقى نحو 400 مخطوط روائي، لا تختار منها للنشر سوى نحو عشرين، بعد عملية قراءة وتقييم. وهي معادلة تكشف الفارق بين وفرة الكتابة وصرامة الاختيار.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن التحول الرقمي، إذ تتيح الدار بعض إصداراتها إلكترونياً عبر منصات مثل “أبجد” و”أمازون”، بعد فترة من طرحها ورقياً.
أما ازدحام المعرض بحفلات التوقيع، فلا تعتبره إدريس دليلاً كافياً على ارتفاع معدلات القراءة. فقد تكون المناسبة فرصة لجذب زوار جدد، وربما لاكتشاف كتب أخرى، لكن عدد التواقيع لا يساوي بالضرورة عدد القرّاء.
وهنا تبرز مفارقة أساسية: يمكن للكتاب أن يحظى باحتفال كبير يوم صدوره، من دون أن نعرف مقدار الحياة التي سيعيشها بعد انفضاض الحضور.
حفلات التوقيع… هل تعكس المبيعات حجم الحشود؟
تقدّم الناشرة اللبنانية نسرين كريدية (دار النهضة)، قراءة اقتصادية لهذه المفارقة. فمعرض بيروت، بحسب تجربتها، عُرف دائماً بكثرة حفلات التوقيع، وهي مناسبة جميلة تجمع الكاتب بأصدقائه وقرّائه. لكن المشهد لا يخفي تراجع القدرة الشرائية.
تلاحظ كريدية أن زواراً كثيرين يتوقفون أمام الكتب ويسألون عن أسعارها، ثم يكتفون بشراء كتاب واحد، أو يغادرون من دون شراء. وقد يكون الازدحام الناتج من حفلات التوقيع أكبر من الحركة الفعلية للمبيعات، وخصوصاً عند مقارنة أيام الأسبوع بعطلة نهايته.
ومع ذلك، لا ترى تعارضاً حتمياً بين الكتاب الورقي والإلكتروني. فالنشر، في رأيها، لم يعد محصوراً بالورق، بل بات يشمل الصيغ الرقمية والصوتية، وصولاً إلى استخدامات الذكاء الاصطناعي.
وتعتبر أن النشر الإلكتروني أتاح دخلاً إضافياً للناشرين، والأهم أنه أوصل الكتب إلى أشخاص يصعب الوصول إليهم عبر المعارض والمكتبات التقليدية.
ملحم خلف: المهم أن نقرأ، أياً تكن الوسيلة
لا يرى النائب اللبناني ملحم خلف في كثرة الإصدارات وحفلات التوقيع ظاهرة تستدعي القلق، بل يعتبر أن غزارة التأليف والنشر مؤشر صحي إلى حيوية المشهد الثقافي. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الغزارة، في رأيه، تكمن في قدرة الكتب على تقديم إجابات عن الأسئلة التي تحاصر مجتمعاتنا، وإفساح المجال أمام الدراسات المعمّقة التي تتناول التحولات الفكرية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، يربط خلف بين ازدياد النشاط الثقافي في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب واستعادة العاصمة اللبنانية دورها التاريخي مركزاً للإنتاج الفكري والتفاعل الحضاري. فبيروت، كما يراها، مدينة ضاربة الجذور في حضارات متعاقبة، راكمت عبر تاريخها ثروة من التنوع الثقافي والإنساني، تجد اليوم بعض تجلياتها في تعدّد الإصدارات والموضوعات والأصوات المشاركة في المعرض.
ويكتسب المعرض، بالنسبة إليه، أهمية تتجاوز كونه مناسبة سنوية لعرض الكتب وتوقيعها، ليصبح مساحة تستعيد فيها المدينة شيئاً من صورتها الثقافية، وقدرتها على جمع الكتّاب والقرّاء حول المعرفة والحوار. ويعبّر عن هذه العلاقة بقوله إن المعرض هذا العام “يشبهنا”.
أما في النقاش الدائر حول مستقبل الكتاب الورقي أمام انتشار الوسائط الرقمية، فلا يتعامل خلف مع التكنولوجيا بوصفها خصماً للقراءة. وهو، وإن كان ينتمي إلى جيل اعتاد رائحة الورق وتقليب الصفحات والتوقف عند النقطة والفاصلة، يدرك ما تتيحه الأجهزة اللوحية من سهولة في الوصول إلى الكتب وقراءتها أينما كان الإنسان.
ويرى أن التمسك بالكتاب الورقي لا ينبغي أن يتحول إلى رفض للوسائل الحديثة، ولا سيما أن الأجيال الجديدة تطوّر علاقتها بالمعرفة من خلال أدوات مختلفة. فلكل قارئ وسيلته التي يرتاح إليها، وما ينبغي الحفاظ عليه ليس شكل الصفحة بقدر ما هو فعل القراءة نفسه.
ويلتقي هذا الموقف مع شهادة الطفل محمد بشير، الذي يفضّل الكتاب الورقي حين يريد قراءة كتب ثقافية، بينما يلجأ إلى الجهاز اللوحي للمطالعات السريعة.
من الكتاب الملموس إلى الكتاب الناطق
في جناح دار ربيع السورية المتخصصة بكتب الأطفال والوسائل التعليمية، تتخذ التكنولوجيا شكلاً مختلفاً.
فالدار تعرض كتباً صوتية وألعاب تركيب ناطقة، إلى جانب كتب حسية وتفاعلية للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، من الولادة حتى نحو الخامسة.
ويوضح ممثل الدار أن الطلب يتركز خصوصاً على الكتب الصوتية والتفاعلية، حيث لا يكتفي الطفل بتلقّي الحكاية، بل يشارك في اكتشاف الحروف والألوان والأشكال والأصوات والملامس.
هذه التجربة تفتح باباً آخر للنقاش: ربما لا يكون مستقبل الكتاب في انتقال صفحاته إلى الشاشة فحسب، بل في تحوّله إلى تجربة تعليمية تشترك فيها الحواس.
بيروت والكتاب… ما الذي يبقى بعد المعرض؟
تضم الدورة السابعة والستون من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب أكثر من 163 دار نشر، بينها 23 عربية، وبرنامجاً يتجاوز 95 ندوة وجلسة حوارية بمشاركة نحو 280 شخصية.
وتراهن رئيسة النادي الثقافي العربي سلوى السنيورة بعاصيري على توسيع مساحة الحوار والقراءة، مع الانفتاح على التكنولوجيا من دون التفريط بالدور الإنساني للإبداع.
وفي زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يكتب نصاً في ثوانٍ، وأن تختزن شاشة صغيرة آلاف الكتب، يبقى السؤال عمّا إذا كانت التكنولوجيا تصنع قرّاءً بقدر ما تُنتج نصوصاً. ولعل السؤال الذي يغادر به الزائر معرض بيروت ليس كم كتاباً صدر، ولا كم توقيعاً شهد، بل كم كتاباً سيُقرأ بعد انفضاض الحشود، وكم صفحة ستجد قارئاً يمنحها وقته وتأمّله. فمستقبل الكتاب لا يُقاس بسرعة إنتاجه ولا بعدد نسخه، بل بقدرته على أن يترك في الإنسان أثراً لا تستطيع الخوارزميات كتابته نيابةً عنه.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

