كتب محمد خير الوادي:
وقف نتنياهو على أعلى قمة في جبل الشيخ المحتل، متباهياً بقوته، مرسلاً رسالة للجميع مفادها أنه بات الحاكم الفعلي للشرق الأوسط!
ومن أعلى منبر دولي، افترى النتن على التاريخ، وأعلن أن الجولان هو ملك لإسرائيل، لأن اليهود يعيشون فيه منذ عهد موسى!
حركات مسرحية يقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، لبث الخوف، وزرع اليأس في نفوس السوريين والعرب، ودفعهم للتسليم بترهاته تلك.
وبموازاة ذلك كله، يعشق النتن تصوير إسرائيل على أنها إسبرطة القرن الواحد والعشرين، ليؤكد على جبروتها وسطوتها.
هناك من يفسر تباهي نتنياهو هذا بأنه نوع من الدعاية الانتخابية، سينتهي مفعولها بعد الانتخابات. ولكنني أرى الأمر من جانب آخر، فتبجحات نتنياهو هذه لا تصدر عن ثقة بالنفس، بل هي تعبير عن عمق القلق الذي يجتاح اليوم قادة الكيان الصهيوني كلهم.
وسأشرح ذلك. ولكن قبل الشروع في ذلك، لا بد من التأكيد على نقطة هامة، هي أن المشروع الصهيوني الذي يتحدث نتنياهو باسمه اليوم قد وصل إلى قمة تطوره، وهو اليوم يبدأ مسيرة الانحدار. وهذا الهبوط لن يتم بين ليلة وضحاها، بل سيأخذ مسافة من الزمن، تتأثر سرعتها باكتمال المخاض الذي تشهده المنطقة اليوم.
بكلمات أخرى، إن المشروع العدواني الصهيوني الذي روّع المنطقة على امتداد أكثر من قرن، بدأ يفقد بالتدريج أركان قوته. وإليكم بعض الدلائل التي استقرأتها من خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك من الأحداث المتسارعة في العالم.
لقد قرأت بتمعن خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وخلصت إلى نتيجة مفادها: هناك تغيير جوهري في سردية رئيس الوزراء الإسرائيلي. فهو قد انتقل من التباهي الدائم بقوة إسرائيل، وقدرتها المطلقة على فعل كل ما تريد، إلى الحديث عن أن الكيان أصبح اليوم ضحية (!)، وأنه يقف وحيداً ولكنه لا ينحني.
وإذا كان النتن قد أراد من هذا التحول الخطابي التغطية على الجرائم التي اقترفها هذا الكيان في فلسطين وسورية ولبنان، وإنكار هذه الجرائم، واستدرار عطف العالم، فإنني أرى أن هناك سبباً آخر لهذا التحول، وهو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي اضطرّ لذلك لمواجهة العزلة الدولية التي بات يعاني منها الكيان الصهيوني، وللتكيف مع واقع آخر، هو نفاد الذخائر الإعلامية من الترسانة الصهيونية الدعائية. وسأفسر ذلك.
لقد سحبت الجرائم التي اقترفها الجيش الإسرائيلي البساط من تحت أقدام المقولة التي كان يرددها نتنياهو دائماً، وهي أن جيشه أكثر جيوش العالم أخلاقاً! كما انتهت صلاحية مقولة أخرى تسلّح بها الكيان عقوداً طويلة، واستخدمها للحصول على الدعم والإسناد الغربيين، وهي أن إسرائيل أصبحت جزءاً من الغرب، وحارسة مصالحه في المنطقة.
فالغرب يتنصل اليوم من ممارسات إسرائيل المنافية لقيمه في الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان. كما تبخرت، تحت وقع أفعال المستوطنين والعنصريين الحاكمين الآن في إسرائيل، مقولة أخرى مفادها أن إسرائيل هي واحة الديمقراطية في المنطقة.
وشاهد العالم كيف تم ليّ عنق النظام القضائي في إسرائيل، واضطهاد أعضاء الكنيست العرب، ومحاصرة المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية، وكيف بات التطرف الديني هو المسيطر على القرار في إسرائيل على حساب العلمانية.
وأهم ما أزعج نتنياهو أن سيف العداء للسامية، الذي رفعته الصهيونية في وجه كل ناقد لإسرائيل، قد أصبح مثلوماً، ولا يخيف أعداء إسرائيل.
كما يراقب نتنياهو برعب ملايين المتظاهرين، التي غصت بهم شوارع أوروبا وأمريكا تنديداً بإسرائيل، وهو يرى كيف يتضاءل النفوذ الإسرائيلي في الأحزاب الأمريكية، وكيف باتت كلمة إسرائيل شبهة مخيفة في عدد من المدن الأمريكية.
كما يراقب نتنياهو بقلق كبير ما يجري في أوروبا:
ثلاث دول أوروبية هي إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا تقود حملة داخل أوروبا لتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
إيطاليا تلغي اتفاقية الدفاع المشترك مع إسرائيل احتجاجاً على جرائم الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين.
بريطانيا تتخذ عقوبات تاريخية ضد المستوطنات الإسرائيلية.
في ألمانيا يتصدع الائتلاف الحاكم، وقد وصل الأمر إلى حد أن الحزب الحاكم لم يتمكن من دخول برلمان العاصمة برلين، بسبب دعمه لإسرائيل، وتخاذله المشين في مسألة دفع تعويضات لا تنتهي لإسرائيل.
وفي أوروبا تتصدر الأحزاب اليمينية والنازية (المعادية بأغلبيتها لإسرائيل) المشهد السياسي في القارة العجوز، وتحقق نجاحات كبيرة.
كما يرى نتنياهو كذلك كيف تنتشر كالنار في الهشيم موجة مقاطعة الجامعات الإسرائيلية من جانب الأوساط الأكاديمية الأوروبية، وكيف فجّرت الضغوط الإسرائيلية على الجامعات الأمريكية نقمة الطلاب هناك وغضبهم.
وبالمحصلة، يلمس نتنياهو كيف تحول الرأي العام في أمريكا وأوروبا من داعم لسلوك إسرائيل إلى مطالب بإنزال أقسى العقوبات بها.
ولا يفارق النتن للحظة واحدة قرار محكمة العدل الدولية، الذي اعتبره مجرم حرب وطالب باعتقاله!
وقد ذُعر النتن من رؤية منظر تراجع الدعم الدولي له ولإسرائيل، ولذلك يحاول الالتفاف على ذلك، عبر بث الحياة في مقولة: إسرائيل هي الضحية المحاصرة بمحيط من العداء والتوحش.
كما يسعى النتن كذلك إلى مد الجسور مع الحركات النارية الأوروبية، بغض النظر عن ماضيها المعادي لليهود.
هذا كله يشير إلى تخبط سياسي واضح للحكومة الإسرائيلية، التي تخشى فعلياً عواقب تلك التطورات الوخيمة.
وأختم هذه الفقرة بكلمات آفي بازنر، سفير إسرائيل السابق في كل من فرنسا وإيطاليا، الذي قال: «تواجه إسرائيل اليوم عزلة سياسية دولية، تشبه العزلة التي عانت منها جنوب إفريقيا إبان نظام الفصل العنصري منتصف ثمانينيات القرن الماضي».
وهذا كلام قريب من الحقيقة، نظراً لأن النظام في إسرائيل قائم أيضاً على الفصل العنصري.
هذه التطورات كلها أجبرت نتنياهو على الانتقال في سرديته، من موقع التفاخر بقوة جيشه المطلقة، إلى تقديم إسرائيل ضحية، ودولة صغيرة تحتاج الدعم والتعاطف!
وكوابيس نتنياهو لم تنتهِ هنا. فقد أظهرت الحرب على إيران أن إسرائيل عاجزة لوحدها عن شن حروب كبيرة، لا بل إن إسرائيل قد تحولت – في تلك الحرب – إلى عبء على أمريكا، ولذلك استبعدها ترامب من فعالياته العسكرية، كي لا تعرقل خططه!
هذا هو وضع إسرائيل الحقيقي، والذي يجب أن نعرفه بعمق، كي لا نقع ضحية لتضليل نتنياهو وعنترياته.
باختصار، المشروع الصهيوني بدأ يفقد مواطن قوته واحداً تلو الآخر، والزمن ليس في صالحه.
وبهذا الخصوص، أقول: إن الأزمة التي تعاني منها اليوم الصهيونية لا تعني أن هذا المشروع العدواني سينتهي من تلقاء نفسه. لقد تفاقمت أزمة المخططات الصهيونية بسبب الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني، والثورة السورية المباركة، التي أطاحت بنظام الأسد، الذي سكت عن افعال واعتداءات الكيان الصهيوني عقوداً كثيرة.
وأختم بالقول: إن رياح الزمن لا تهب في صالح أشرعة الصهيونية، التي سيبتلعها يمّ الزمن، مثل غيرها من الحركات والمشروعات الاستعمارية.
ومن السذاجة، بعد ذلك، حتى مجرد الافتراض باستدامة المشروع الصهيوني، والتراجع أمامه والتسليم بوجوده.
لقد انهارت إسبرطة التي اعتبرها نتنياهو أنموذجاً تاريخياً لإسرائيل، ولم يبقَ من آثارها سوى الاسم، وهذا هو المصير المحتوم للمشروع الاستعماري الصهيوني.
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

